فهرس الكتاب
ثم دفعته الرغبة إلى البحث عن سائر أعضاء الحيوان وترتيبها وأوضاعها وكمياتها وكيفية ارتباط بعضها ببعض وكيف تستمر لها الحياة من تلك الحرارة التي في القلب فتتبّع ذلك كله بتشريح الحيوانات الأحياء والأموات. ولم يزل ينعم النظر فيها ويجيل الفكرة حتى بلغ في ذلك كله كبار الطبيعيين. فتبين له أن كل شخص من أشخاص الحيوان وإن كان كثيرًا بأعضائه وتفنن حواسه وحركاته فإنه واحد بذلك الروح الذي مبدؤه من قرار واحد وانقسامه في سائر الأعضاء منبعث منه، وأن جميع الأعضاء خادمة له أو مؤدية عنه. وهو يصرفها كأنها آلات أنحاءً من التصريف بحسب ما تصلح له كل آلة وبحسب الغايات التي تلتمس بذلك التصريف. فإذا عمل بآلة العين كان فعله إبصارًا، وإذا عمل بآلة الأذن كان فعله سمعًا، وإذا عمل بآلة الأنف كان فعله شمًا، وإذا عمل بآلة اللسان كان فعله ذوقًا، وإذا علم بالجلد واللحم كان فعله لمسًا، وإذا عمل بالعضد كان فعله حركة، وإذا عمل بالكبد كان فعله غذاءً واغتذاءً. ولا يتم لشيء من هذه فعل إلا بما يصل إليها من ذلك الروح على الطرق التي تسمى عصبًا، وتستمد الأعصاب الروح من بطون الدماغ، والدماغ يستمد الروح من القلب. فإن خرج الروح بجملته عن الجسد أو فني أو تحلل بوجه من الوجوه تعطل الجسد كله وصار إلى حالة الموت. وقد انتهى حي إلى هذا الحد من النظر على رأس أحد وعشرين عامًا من منشئه.
وفي خلال هذه المدة تفنن في وجوه حيله واكتسى بجلود الحيوانات التي كان يشرحها واحتذى بها واتخذ الخيوط من الأشعار ولحاء القصب والخبازى والقنب وكل نبات ذي خيط.
وكان بتلك الجزيرة خيل برية وحمر وحشية فاتخذ منها ما يصلح له وراضها حتى كمل بها غرضه.