فهرس الكتاب

الصفحة 12371 من 23694

ثم بعد ذلك أخذ في مأخذ آخر من النظر فتصفح جميع الأجسام من الحيوان والنبات والمعادن وأصناف الحجارة والتراب والماء والبخار والثلج والبرد والدخان واللهيب والجمر فرأى لها أوصافًا كثيرة وأفعالًا مختلفة وأنعم النظر في ذلك فكشف خصائصها وتعرف طبائعها فرأى حقيقة وجود كل منها مركبة من الجسمية ومن شيء آخر زائد على الجسمية إما واحد وإما أكثر من واحد. فلاحت له صور الأجسام على اختلافها وهو أول ما لاح له من العالم الروحاني إذ هي صور لا تدرك بالحس وإنما تدرك بضرب ما من النظر العقلي ولاح له أن الروح الحيواني الذي مسكنه القلب لابد له من معنى زائد على جسميته يصلح به لأن يعمل تلك الأعمال الغريبة من ضروب الإحساسات وفنون الإدراكات وأصناف الحركات. وذلك المعنى هو صورته وفصله الذي يفصله عن سائر الأجسام ويميزه منها وهو الذي يعبّر عنه بالنفس الحيوانية.

ومثلها النفس النباتية التي هي صورة النبات وفصله المائز له. وكذلك للجمادات شيء يخصها وهو صورتها وفصلها. ويعبّر عنه بالطبيعة.

وهكذا تجاوز جسمية الأجسام إلى صورها وخصائصها التي ينفصل بعضها بها عن بعض. فتأمل بالتفصيل تلك الخصائص والصور التي تميز أنواع الحيوان والنبات والجماد.

وبالتدرج انتهى إلى أبسط ما قدر عليه من قلة التركيب وهو الأرض والماء والنار والهواء، ثم إلى الصورة التي تلبس المادة وإلى المادة أو الهيولى العارية عن الصورة جملة. ولما انتهى نظره إلى هذا الحد وأشرف على تخوم العالم العقلي حن إلى ما ألفه من عالم الحس فتأمل صور الأركان الأربعة من أرض وماء ونار وهواء. فالماء مثلًا إذا أفرط عليه التسخين استعد للحركة إلى فوق وصلح لها فذلك الاستعداد هو صورته. وعلى العموم صلوح الجسم لبعض الحركات دون بعض هو استعداده وصورته. ولاح له مثل ذلك في جميع الصور فتبين له أن الأفعال الصادرة عنها ليست في الحقيقة لها وإنما هي لفاعل يفعل بها الأفعال المنسوبة إليها.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت