فهرس الكتاب

الصفحة 12373 من 23694

فلما تبين له أنه كله كشخص واحد في الحقيقة قائم محتاج إلى فاعل مختار تفكر في العالم بجملته هل هو شيء حدث بعد أن لم يكن وخرج إلى الوجود بعد العدم؟ أو هو أمر كان موجودًا فيما سلف ولم يسبقه العدم بوجه من الوجوه. فتشكك في ذلك، وانتهى بعد التشكك في قدم العالم أو حدوثه إلى أنه لابد على كلا الوجهين من وجود فاعل غير جسم و لا متصل بجسم ولا منفصل عنه ولا داخل فيه ولا خارج عنه، إذ الاتصال والانفصال والدخول والخروج هي كلها من صفات الأجسام وهو منزه عنها. وإذن فالعالم كله بما فيه من السماوات والأرض والكواكب وما بينها وما فوقها فعله وخلقه، وهو متأخر عنه بالذات وإن كان غير متأخر بالزمان في وجه من الوجهين اللذين سلف ذكرهما. وعندئذ تصفح الموجودات مرة جديدة تصفحًا على طريق الاعتبار في قدرة فاعلها والتعجب من غريب صنعته ولطيف حكمته ودقيق علمه. وتبين له في أقل الأشياء الموجودة فضلًا عن أكثرها من آثار الحكمة وبدائع الصنعة ما قضى منه كل العجب، وتحقق عنده أن ذلك لا يصدر إلا عن فاعل مختار في غاية الكمال وفوق الكمال. وكل شيء له حسن أو بهاء أو كمال أو قوة أو فضيلة من الفضائل هو من فيض ذلك الفاعل ومن جوده ومن فضله. وانتهت به المعرفة إلى هذا الحد على رأس خمسة وثلاثين عامًا من منشئه، وقد رسخ في قلبه من أمر هذا الفاعل ما شغله عن الفكرة في كل شيء إلا فيه. وذهل عما كان فيه من تصفح الموجودات والبحث عنها حتى صار بحيث لا يقع بصره على شيء إلا ويرى فيه أثر الصنعة فينتقل بفكره على الفور إلى الصانع حتى اشتد شوقه إليه وانزعج قلبه بالكلية عن العالم الأدنى المحسوس وتعلق بالعالم الأرفع المعقول.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت