فهرس الكتاب
فلما حصل له هذا العلم بهذا الموجود الرفيع الثابت الوجود أراد أن يعلم بأي شيء حصل له هذا العلم وبأي قوة أدرك ذلك الوجود، فتصفح حواسه كلها وهي السمع والبصر والشم والذوق واللمس فرأى أن الحواس لا تدرك إلا جسمًا أو ماهو في جسم. وقد تبين أن هذا الموجود الواجب الوجود بريء من صفات الأجسام من جميع الجهات ولا تعلق له بوجه من الوجوه بالأجسام، كما تبين أنه أدركه بذاته، وأن ذاته التي أدركه بها أمر غير جسماني ولا يجوز عليها شيء من صفات الأجسام، وأن كل ما يدركه من ظاهر ذاته من الجسيمات فإنها ليست حقيقة ذاته. وإنما حقيقة ذاته ذلك الشيء الذي أدرك به الموجود المطلق الواجب الوجود. فلما علم أن ذاته الحقيقية ليست هذه المتجسمة التي يدركها بحواسه ويحيط بها جلده هان عنده بالجملة جسمه وجعل يتفكر في ذاته الحقيقية الشريفة التي أدرك بها ذلك الموجود الشريف الواجب الوجود. ورأى أن الذات التي أدرك بها ذلك الموجود الشريف الواجب الوجود لا يمكن تصور فسادها وأنها إذا أدركته وتعرّفته تعلقت به وحنت إليه. وتبين له أن كمال ذاته ولذتها إنما هو بمشاهدة ذلك الموجود الواجب الوجود على الدوام مشاهدة بالفعل أبدًا حتى لا يعرض عنه طرفة عين لكي توافيه المنية وهو في حال المشاهدة بالفعل فتتصل لذته دون أن يخللها ألم. ثم جعل يتفكر كيف يتأتى له دوام هذه المشاهدة بالفعل حتى لا يقع منه إعراض. فغدا معرضًا عن جميع المحسوسات والقوى الجسمانية، مجتمع الهمِّ -والفكرة في الموجود الواجب الوجود وحده دون شركه. فمتى سنح لخياله سانح سواه طرده عن خياله جهده وراض نفسه على ذلك ودأب عليه. وفي شدة مجاهدته هذه ربما كانت تغيب عن ذكره وفكره جميع الذوات إلا ذاته. فإنها كانت لا تغيب عنه في وقت استغراقه بمشاهدة الموجود الحق الواجب الوجود. ولكنه ما زال يطلب الفناء عن نفسه والإخلاص في مشاهدة الحق حتى تأتى له ذلك ولم يبق إلا الواحد الحق.