فهرس الكتاب
واستغرق في حالته هذه وشاهد مالا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر. ثم لما أفاق من حالته تلك التي هي شبيهة بالسكر عاد إلى ملاحظة الأغيار وخطر بباله أنه لا ذات له يغاير بها ذات الحق تعالى، وأن حقيقة ذاته هي ذات الحق، وأن الشيء الذي كان يظن أولًا أنه ذاته المغايرة لذات الحق ليس شيئًا في الحقيقة، بل ليس ثَمَّ شيء إلا ذات الحق، وأن ذلك بمنزلة نور الشمس الذي يقع على الأجسام الكثيفة فتراه يظهر فيها. فإنه وإن نسب إلى الجسم الذي ظهر فيه فليس هو في الحقيقة شيئًا سوى الشمس. وإن زال ذلك الجسم زال نوره وبقي نور الشمس بحاله لم ينقص عند حضور ذلك الجسم ولم يزد عند مغيبه. ومتى حدث جسم يصلح لقبول ذلك النور قبله، فإذا عدم الجسم ذلك القبول لم يكن له معنى. وتَقوَّى عنده هذا الظن بما قد كان بان له من أن ذات الحق عز وجل لا تتكثر بوجه من الوجوه، وأن علمه بذاته هو ذاته بعينها. فلزم من هذا أن من حصل عنده العلم بذاته فقد حصلت عنده ذاته. وقد كان حصل عنده العلم فحصلت عنده الذات. وهذه الذات لا تحصل إلا عند ذاتها ونفس حصولها هو الذات. فإذن هو الذات بعينها.
لقد كتب ابن طفيل هنا صفحات ممتعة محاولًا ما استطاع التدرج العلويّ بحيّ والتحليق معتمدًا على تشبهات ثلاثة:
1-تشبهٌ بالحيوان غير الناطق. جعله هذا التشبه يعيش في الاغتذاء عيشة اعتدال دون أضرار ولا استئصال وبحسب ما يسد عنده خلة الجوع وفي الحين بعد الحين دفعًا للضعف وإمساكًا للرمق.