فهرس الكتاب

الصفحة 12378 من 23694

ثم أراد المؤلف أن يمتع القارئ بتمام خبر حي. وليس تمام الخبر بأقل شأنًا من الخبر ذاته. وذلك لبيان اتفاق الحكمة مع حقيقة الشريعة وأن الناس ليسوا سواءً في تفهم حقيقة كل من الشريعة والحكمة. ولهذا يقحم المؤلف حيًا وقد وصل إلى قمة المعرفة والعرفان في مجتمع إنساني ليتدبر وجوه الواقع وأصناف الناس ويتبين مزايا المتألهين ورفعتهم وسجايا المؤمنين الصادقين وضلال الدهماء الذين هم كسوام الأنعام لا يتمسكون إلا بالدنيا، قد تغشّتهم ظلمات الحجب. فقد ذكروا أن جزيرة قريبة من تلك التي نشأ بها حي انتقلت إليها ملّة من الملل الصحيحة المأخوذة عن بعض الأنبياء. وكان قد ترعرع بتلك الجزيرة فَتَيان من أهل الفضل والرغبة في الخير. أحدهما اسمه أبسال أو أسال واسم الآخر سلامان. وكلاهما انتحلا هذه الملّة وقبلاها أحسن قبول والتزما جميع شرائعها وأعمالها واصطحبا على ذلك. فأما أبسال فكان أشد غوصًا على الباطن وأكثر عثورًا على المعاني الروحانية وأطمع في التأويل. وأما سلامان فكان أشد احتفاظًا بالظاهر وأشد بعدًا من التأويل، وأوقف عن التصرف والتأمل. وكان في تلك الشريعة أقوال تحمل على العزلة والانفراد وتدل على أن الفوز والنجاة فيهما. وأقوال أُخَر تحمل على المعاشرة وملازمة الجماعة. فتعلق أبسال بطلب العزلة، وتعلق سلامان بملازمة الجماعة.

وكان أبسال قد سمع عن الجزيرة التي تكوّن ابن يقظان بها وعرف ما بها من الخصب والمرافق والهواء المعتدل. فأجمع أمره على الانفراد بها وارتحل إليها وبقي بها يعبد الله عز وجل وأقام على هذه الحال مدة وهو في أتم غبطة وأعظم أنس بمناجاة ربه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت