فهرس الكتاب

الصفحة 12379 من 23694

واتفق أن خرج حيٌّ لالتماس غذائه، وأبسال قد ألمّ بتلك الجهة فوقع بصر كل منهما على الآخر فأما أبسال فلم يشك في أنه من العباد المنقطعين وصل إلى تلك الجزيرة اعتزالًا للناس، فآثر احترام اعتزاله وعدم التعرض له. وأما حيّ فلم يدرِ ماهو لأنه لم يره على صورة شيء من الحيوانات التي كان قد عاينها قبلًا. فوقف يتعجب منه مليًا. وولى أبسال هاربًا منه خيفة أن يشغله عن حاله. فاقتفى حيّ أثره لما كان في طباعه من البحث عن حقائق الأشياء. فلما رآه يشتد في الهرب توارى له حتى ظن أبسال أنه قد انصرف عنه. وشرع أبسال في الصلاة والقراءة والدعاء والبكاء والتضرع. فجعل حي يتقرب منه قليلًا قليلًا حتى دنا منه بحيث يسمع قراءته وتسبيحه ويشاهد خضوعه وبكاءه. فسمع صوتًا حسنًا وحروفًا منظمة لم يعهد مثلها من شيء من أصناف الحيوان. ونظر إلى أشكاله وتخطيطه فرآه على صورته، فزاد في الدنو حتى أحس به أبسال، فاشتد في العدو واشتد حيّ في أثره حتى التحق به، ففزع منه. ولكن حيًا شرع يؤنسه بأصوات تعلمها من بعض الحيوانات، ويجري يده على رأسه ويمسح أعطافه ويظهر البشر والفرح به حتى سكن جأش أبسال وعلم أنه لا يريد به سوءًا. وكان أبسال قد تعلم أكثر الألسن ومهر فيها، فجعل يكلم حيًا ويسأله عن شأنه بكل لسان يعلمه ويعالج إفهامه فلا يستطيع، وحيّ يتعجب مما يسمع ولا يدري ماهو عليه، فاستغرب كل واحد منهما أمر صاحبه. ورأى حيّ أن يقيم مع أبسال حتى يقف على حقيقة شأنه. فالتزم صحبته. ولما رأى أبسال أنه لا يتكلم أمن من غوائله على دينه، ورجا أن يعلمه الكلام والعلم والدين زلفى عند الله فشرع في تعليمه الكلام أولًا بأن يشير له إلى أعيان الموجودات وينطق بأسمائها ويكرر ذلك عليه ويحمله على النطق بها حتى علمه الأسماء كلها ودرّجه قليلًا قليلًا حتى تكلم في أقرب مدة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت