فهرس الكتاب
فجعل أبسال يسأله عن شأنه ومن أين صار إلى تلك الجزيرة فأعلمه حيٌّ أنه لا يدري لنفسه ابتداءً ولا أبًا ولا أمًا أكثر من الظبية التي ربته، ووصف له شأنه كله، وكيف ترقى بالمعرفة إلى درجة الوصول. فلما سمع أبسال منه وصف تلك الحقائق والذوات المفارقة لعالم الحس العارفة بذات الحق عزّ وجلّ ووصف ذات الحق تعالى وجل بأوصافه الحسنى ووصف ما أمكنه وصفه مما شاهده عند الوصول من لذات الواصلين وآلام المحجوبين لم يشك أبسال في أن جميع الأشياء التي وردت في شريعته من أمر الله عز وجل وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر وجنته وناره هي أمثلة هذه التي شاهدها حي بن يقظان. فانفتح بصر قلبه، وانقدحت نار خاطره، وتطابق عنده المعقول والمنقول، وقربت عليه طرق التأويل، ولم يبق عليه مشكل في الشرع إلا تبين له ولا مغلق إلا انفتح ولا غامض إلا اتضح وصار من أولي الألباب. وعند ذلك نظر إلى حي بعين التعظيم وتحقق عنده أنه ولي من أولياء الله الذين لا خوف عليهم ولا هم يحزنون. فالتزم خدمته والاقتداء به. وجعل حي، وكانت سنه إذ ذاك خمسين عامًا يستفصحه عن أمره وشأنه. فجعل أبسال يصف له شأن جزيرته وما فيها من العالم وكيف كانت سِيِرَهم قبل وصول الملة إليهم، وكيف هي الآن بعد وصولها ووصف له جميع ما ورد في الشريعة من وصف العالم الإلهي والجنة والنار والبعث والنشور والحشر والحساب والميزان والصراط. ففهم حيّ هذا كله ولم ير فيه شيئًا على خلاف ما شاهده في مقامه الكريم. فعلم أن الذي وصف ذلك وجاء به محق في وصفه صادق في قوله، رسول من عند ربه، فآمن به وصدقه وشهد برسالته. ثم جعل يسأله عما جاء به من الفرائض والعبادات فوصف له الصلاة والزكاة والصيام والحج وما أشبهها من الأعمال الظاهرة. فتلقى ذلك والتزمه. إلا أنه بقي في نفسه أمران كان يتعجب منهما ولا يدري وجه الحكمة فيهما.