فهرس الكتاب

الصفحة 12382 من 23694

فاشتد إشفاقه عليهم وطمع أن تكون نجاتهم على يديه، ففاوض في ذلك صاحبه أبسال، وطمع هذا أن يهدي الله على يدي حيّ طائفة من معارفه. فالتزما البحر. وكان أن سفينة ضلت مسلكها وقربت من البر ورأى أهلها الرجلين على الشاطئ فدنوا منهما وحملوهما معهم إلى الجزيرة التي قصداها. وكان رأس الجزيرة سلامان صاحب أبسال وملازم الجماعة ومحرم العزلة، فشرع حي في تعليمهم وبث أسرار الحكمة إليهم فجعلوا ينقبضون منه ويتسخطونه في قلوبهم. ومازال كذلك حتى يئس من إصلاحهم. وتصفح الناس بعد ذلك فرأى أن كل حزب بما لديهم فرحون قد اتخذوا إلههم هواهم وتهالكوا في جمع حطام الدنيا. وأما الحكمة فلا سبيل لهم إليها. ولا تمكن مخاطبتهم بطريق المكاشفة. وحظ أكثر الجمهور من الانتفاع بالشريعة إنما هو في حياتهم الدنيا ليستقيم لكلِّ منهم معاشه ولا يتعدى على سواه. ولا يفوز منهم بالسعادة الأخروية إلا الشاذ النادر.

فانصرف حي إلى سلامان وأصحابه واعتذر عما تكلم به معهم وتبرأ إليهم منه، وأعلمهم أنه قد رأى مثل رأيهم واهتدى بمثل هديهم، وأوصاهم بملازمة ماهم عليهم من التزام حدود الشرع والأعمال الظاهرة والاقتداء بالسلف الصالح والترك لمحدثات الأمور، وأمرهم بمجانبة ما عليه جمهور العوام من إهمال الشريعة والإقبال على الدنيا. وعلم هو وصاحبه أبسال أن هذه الطائفة المريدة القاصرة لا نجاة لها إلا بهذا الطريق، وأنها إن رفعت عنه إلى يفاع الاستبصار اختل ماهي عليه ولم يمكنها أن تلحق بدرجة السعداء. وهي إن دامت على ماهي عليه حتى يوافيها اليقين فازت بالأمن وكانت من أصحاب اليمين. وأما السابقون فأولئك المقربون. (يتذكر ابن طفيل هنا سورة الواقعة وما جاء فيها من تصنيف الناس يوم القيامة) . فودعاهم وانفصلا عنهم وتلطفا في العود إلى جزيرتهما. وطلب حي بن يقظان مقامه الكريم بالنحو الذي طلبه أولًا حتى عاد إليه واقتدى به أبسال وعبد الله بتلك الجزيرة حتى أتاهما اليقين.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت