فهرس الكتاب

الصفحة 12383 من 23694

تلك خلاصة رسالة"حي بن يقظان". يقول المؤلف في ختام الرسالة:"ولم نُخل مع ذلك ما أودعناه هذه الأوراق اليسيرة من الأسرار عن حجاب رقيق وستر لطيف ينهتك سريعًا لمن هو أهله، ويتكاثف لمن لا يستحق تجاوزه حتى لا يتعداه".

وهذه إشارة واضحة إلى أن المؤلف أراد أن يسلك طريق الرمز والتغطية ولو بعض الشيء فيما يقصد. فلابد من الاستفهام في حل تلك الرموز. فهل رمز بحي إلى العقل الإنساني وبيقظان إلى الإله؟ وهل قصد لما سلف آنفًا في التقاء حي بن يقظان وأبسال واتفاقهما إلى التقاء النظر العقلي الفلسفي الحر والشرائع التي جاءت بها الرسل كما نوه بذلك من قبله الفارابي وابن سينا وكما أكده بعده ابن رشد أيضًا؟ أثُمَّ لا يدل إخفاق حي بن يقظان بين أهل الجزيرة الثانية على عجز جماهير الناس عن إدراك مقاصد الفلسفة وتجريداتها سواء أكانوا مؤمنين بالشرائع أم كانوا عُمْيًا عن غاياتها؟ أو لا يشبه تفاوت أبسال وسلامان تفاوت أهل الباطن أصحاب التأويل وأهل الظاهر الذين يتمسكون بالنصوص؟ كل ذلك جائز، بل هو شديد الرجحان. ولكنا نظن مع ذلك أن ثمة أمورًا كان يعتقدها المؤلف وأراد أن يدل عليها ويلوح بها من بعيد وهي تنويهه بالفطرة السليمة وبالحكمة السديدة وتنديده بالمجتمع الذي كان يعيش فيه، كذلك فهمه لكنه الحياة وأصلها ولطبيعة الثواب والعقاب وما إلى ذلك.

ولكن طريقة الرمز تمنع القطع في الحكم، لأن الرمز جَفرُ السر، يقول مالا يقال بغيره. وهو كالقطعة الموسيقية لا تنحل مقاصدها بالسماع مرة واحدة. بل تتحدد إيحاءاتها وتزداد معانيها بتجدد سماعها. ولاشك في أن زيادة الإيضاح في رموز ابن طفيل تستدعي زيادة دراسة العصر الذي عاش فيه والإطار الفكري للآراء والتلويحات من قبله ومن بعده. وربما كان بعض التلويحات في رموزه تبدو بصورة أجهر وأقوى في كتابات مواطنه الفيلسوف الصوفي الكبير محي الدين بن عربي الذي كان في سن العشرين حين مات ابن طفيل.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت