فهرس الكتاب

الصفحة 12463 من 23694

ومن بداية انصرافه للتدريس شرعت نفسه تحدثه أن يجدد أمورًا يبرّز بها على معاصريه ويبدد بها أقرانه، فماذا يفعل وهم يعملون جميعًا في مجال واحد يطرقون موضوعات متشابهات؟ ولم يلبث أن اكتشف دربًا للامتياز والتفرد، فعقد مجلسًا لإملاء الحديث، وكانت مجالس الإملاء (42) قد انقطعت منذ عشرين سنة، فبدأ السيوطي إملاء الحديث عام (872هـ) ، ثم انقطع بسبب الطاعون، وجدد الإملاء عام (874هـ) وأملى ثلاثين مجلسًا ثم انقطع، وفي هذه المرحلة كان يفتي، وبدءًا من عام (871هـ) ، وستتراكم هذه الفتاوى ليجمعها بعد ذلك في مجلدات ثلاثة.

لم أرد الحديث عن مؤلفات الرجل، ولكن ما من ذلك بدّ، لأني أمام رجل تكوّن مؤلفاته نسيج حياته، وبها كان يحاول إثبات وجوده وإبراز اسمه، وإلا فبِم نفسّر عقده لمجلس إملاء الحديث سوى أنه كان يريد أن يتشبه بابن عساكر (44) ، وظن الأمر سهلًا ميسرًا، فعقد المجالس وتصدرها، لكن هذه المجالس لم تلبث أن انقطعت، وأظن أن السيوطي والناس الذين حضروا، شعروا بعدم جدوى تلك المجالس التي انتهى أوانها بعد أن كانوا أقبلوا عليها تقليدًا للسلف الصالح، كما أني لا أستبعد أن يكون كلام السخاوي صحيحًا في هذا المجال، فقد زعم أن جلال الدين جمع حوله طائفة من العوام بجامع ابن طولون، وأنه صار يملي على بعضهم ممن لا يحسن شيئًا (45) ، فإن صح هذا، فإنه لابد قد زهد جلال الدين بمثل هؤلاء المستملين.

وإذا كانت شخصية أبيه قد ملأت نفسه في البدايات، فإنه لم يلبث أن حدد على نحو واع المثَل الذي يرنو إليه ويعوّل عليه، فقد كانت أمنيته أن يصل إلى رتبة سراج الدين البُلْقيني (46) في الفقه، وأن يصل في الحديث إلى رتبة الحافظ بن حجر، فبالغ في قراءة هذين الفنين والاشتغال بهما، وعندما ذهب للحج شرب ماء زمزم مستعينًا به لأمور منها أن يصل ببركة هذا الماء إلى رتبة هذين العلمين في الفقه والحديث (47) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت