فهرس الكتاب
لم يكن جلال الدين حتى ذلك الحين قد أعلن ادعاءه الاجتهاد، وإنما كان يذكره في ثنايا بعض رسائله وكتبه، فلما أشهر خصومه هذا الأمر عدّ ذلك نعمة من الله ينبغي التحدث بها، ورفع عقيرته بدعوى الاجتهاد في مواضع من كتبه، وبدعوى التفرد في مقدمات كتب أخر، وحدد تفرده وسَبْقه في سبعة علوم تبحر فيها، وهي: التفسير والحديث والفقه والنحو والمعاني والبيان والبديع، وزعم أنه وصل في هذه العلوم- سوى الفقه- إلى مرتبة لم يصل إليها أحد من أشياخه (57) . أما كيف حدد السيوطي ذلك، وكيف قاس مستواه ومستوى شيوخه، وبأي معيار حدد تفوقه عليهم؟ فالله وحده أعلم. ولكن يبدو لي أنه كان ينظر إلى كتبه التي يصنفها أو يسلخها، فيراها أكثر من كتب شيوخه. ولا أظن أن له مقياسًا غير هذا، ولا نملك مجادلته فيما ادعاه، ولم يقتصر ادعاء التبحّر والإتقان على تلك السبعة، وإنما هناك علوم أخر إتقانه لها أقل، كأصول الفقه والجدل والتصريف، ودونها الفرائض والإنشاء والترسل (58) ،... الخ، وزعم لنفسه أنه بلغ مرتبة الاجتهاد المطلق في الأحكام الشرعية وفي الحديث النبوي وفي العربية، وقلَّ أن تجتمع -كما يقول- صفة الاجتهاد المطلق في هذه الثلاثة لأحد (59) . ويرى أن هناك من العلماء من وصف بالاجتهاد المطلق ولم يبلغ مرتبته في تلك العلوم التي اجتمع له الإتقان فيها، فهو يرى أن أولئك المجتهدين، كأبي إسحاق الشيرازي (60) ، وأبي نصر بن الصباغ)61)، وإمام الحرمين (62) ، وأبي حامد الغزالي (63) ، كانوا دونه في اجتماع آلة الاجتهاد لهم، ومع ذلك وسموا بالاجتهاد، فلم لا يكون مجتهد عصره وقد تجاوزهم؟