فهرس الكتاب
وتسلطت فكرة الاجتهاد والتفرد على ذهن السيوطي، ونبتت منها فكرة المبعوثية، وهي أمنية طالما رددها وجهر بها في مواضع كثيرة، وتمنى أن يكون هو المبعوث على رأس المائة، ليجدد للناس أمر دينهم، واحتج بما رواه أبو داود في سننه، والحاكم في المستدرك، عن أبي هريرة، عن النبي r، قال: (إن الله يبعث لهذه الأمة على رأس كل مائة سنة من يجدد لها أمر دينها) (64) ، وراح يعدد مجددي المئات، فكان أولهم أمير المؤمنين عمر بن عبد العزيز (65) في رأس المائة الأولى، والإمام محمد بن إدريس الشافعي (66) في رأس المائة الثانية، وأبو العباس بن سُريج (67) في الثالثة، وأبو حامد الإسفراييني (68) أو الأستاذ أبو سهل الصعلوكي (69) في الرابعة، وحجة الإسلام أبو حامد الغزالي (70) في الخامسة والإمام فخر الدين الرازي (71) في السادسة، وتقي الدين بن دقيق العيد (72) في السابعة، وسراج الدين البُلْقِني (73) أو ناصر الدين بن بنت المليق الشاذلي (74) ، أو زين الدين العراقي (75) في الثامنة، وذلك (لأن تعيين المجدد إنما هو بغلبة الظن ممن عاصره من العلماء بقرائن أحواله والانتفاع بعلمه) (76) ، ويعقب السيوطي على ما تقدم بقوله: (ونحن الآن في سنة ست وتسعين وثمانمائة، ولم يجيء المهدي ولا عيسى ولا إشراط ذلك، وقد ترجى الفقير من فضل الله أن ينعم عليه بكونه المجدد على رأس المائة، وما ذلك على الله بعزيز) (77) ، وأخذت هذه الفكرة تتردد في كتبه، حتى أنه ألف رسالة فيمن يبعث الله لهذه الأمة على رأس كل مائة سنة، قال فيها: (إني ترجيت من نعم الله وفضله كما ترجى الغزالي لنفسه أني المبعوث على هذه المائة التاسعة، لانفرادي عليها بالتبحر في أنواع العلوم، وقد اخترعت علم أصول اللغة وورّثته ولم أسبق إليه، وهو على نمط علم الحديث وأصول الفقه، وصارت مصنفاتي وعلومي في سائر الأقطار، ووصلت إلى الشام والروم والعجم والحجاز واليمن والهند والحبشة والمغرب والتكرور، وامتدت إلى البحر