فهرس الكتاب

الصفحة 12471 من 23694

لقد ملأت عليه فكرة مجدد المائة أقطار قلبه وعقله، واستقر لديه أن سبيل التجديد إنما هو كثرة التصنيف، وحجبته رغبته المتأججة عن أن يرى الآخرين، بل حجبته عن أن يرى عالمًا غيره في عصره، فأطلق لقلمه العنان، يجمع طائفة من الأحاديث في التراويح، فهي إذن كتاب، ويأخذ مجالس العلماء ويضم بعضها إلى بعض، فيتشكل منها نصف كتاب الأشباه والنظائر النحوية، ويأخذ كتاب المعرب للجواليقي فيختصره، فهو إذن مصنّف، وقل مثل ذلك في النهاية في غريب الحديث والأثر، ومثله في (اللباب في الأنساب) وفي غيرها.

إن مؤلفات السيوطي، حتى تلك التي يدعي فيها التفرد والإبداع، تحتاج إلى فحص وسبر وتدقيق، وأن كثيرًا من كتبه المهمة يغدو تاريخي القيمة عندما تحصل أصوله بين أيدي الباحثين، ونكتفي بمثالين، الأول: الإتقان في علوم القرآن، والثاني: الاقتراح في علم أصول النحو.

إن الدراسة المعمقة نسبيًا لنفسية السيوطي ومزاجه لا تكون من كتبه العلمية التي صنفها، لأنها في جملتها نقول ضمّ بعضها إلى بعض لتصبح كتابًا، والباحث يعجز أحيانًا، وهو يراجع كتابًا في ألفي صفحة، أن يجد للسيوطي رأيًا، أو يلمح له شخصية. إن مثل هذه الدراسة إنما يجب أن تعتمد مقاماته التي أنشأها، وظهرت فيها عداواته لأقرانه، وصرح فيها ببعض مكنونات نفسه، وظهرت فيها طبيعة تواصله مع مجتمعه، وأن تعتمد مقدمات كتبه التي ملأها بالإدلال والادعاء، ومن طرائفه أنه قطع سلسلة كلامه في الأشباه والنظائر النحوية ليطعن أحد معاصريه (85) ، وهو يعني الإمام القسطلاني (86) ، متهمًا إياه بسرقة كتابه الخصائص الكبرى، وهو كتاب في الخصائص النبوية، ومصادره ومراجعه مبذولة آنذاك، ولم يكن القسطلاني دون السيوطي في علم الحديث بحال، حتى يتهم مثل هذا الاتهام.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت