فهرس الكتاب

الصفحة 12472 من 23694

ولابد هنا -وقد أشرت إلى القسطلاني- من أن أذكر حادثة لها شأنها من الدلالة على عجرفية السيوطي وطريقته في التعامل والسلوك مع علماء عصره، فقد اتهم السيوطي القسطلاني بالأخذ من كتبه، ووصل الأمر به أن ادعى عليه السيوطي بذلك بين يدي شيخ الإسلام زكريا (87) ، وأراد القسطلاني إزالة في خاطر السيوطي عليه، فمشى إليه من القاهرة إلى الروضة، وكان الجلال معتزلًا الناس بالروضة، فوصل القسطلاني إلى باب السيوطي ودق الباب، فقال له: من أنت؟ فقال: أنا القسطلاني، جئت إليك حافيًا، مكشوف الرأس، ليطيب خاطرك عليّ، فقال له: قد طاب خاطري عليك، ولم يفتح له الباب ولم يقابله (88) .

وهذه الحادثة بليغة الدلالة على كِبْر السيوطي وزهوه، وأن هذا لعمري ليس من صفات مجددي المئات، فإن تجديد أمور الدين ليس حبرًا وورقًا وسرقة مصنفات الآخرين، وأن الاجتهاد ليس في مخالفة آراء الآخرين وفتاواهم والرد عليهم في جزئيات لا تقدم ولا تؤخر، إنه ليس في تأريث الخلاف وإنما في تأليف القلوب، والسيوطي كان بعيدًا من ذلك كله، فقد كان من اليسير عليه أن يتطاول على أبناء عصره في أمور هي من التفاهة بمكان، فمن ذلك أنه سئل عام (888هـ) عن قولهم في القنوت (وإليك نسعى ونحقد) ، هل هو بالدال المهملة، أو بالذال المعجمة، فكتب أنه بالدال المهملة، فشنع عليه الجاهل -حسب تعبيره- وأتباعه زاعمين أنها بالذال المعجمة، فكتب السيوطي (فانظروا بالله إلى هؤلاء الذين عاشوا في بلاد المسلمين ستين سنة، وهم يلحنون في قنوتهم وصلاتهم، ولا يحسنون التلفظ فيها، ومع ذلك يعتمون بعمائم الفقهاء، ويمدون ألسنتهم للإنكار على أساطين العلماء) (89) ، يعني نفسه، والأمر كله لا يحتاج إلى أساطين العلماء ولا إلى صغارهم، إنه قضية مبتدئين لا أكثر ولا أقل، جعل منها السيوطي ذريعة لادعاء العلم والفضل.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت