فهرس الكتاب

الصفحة 12473 من 23694

إن قضية مجدد المائة والمبعوثية هي المفتاح الذي تدرس من خلاله شخصية السيوطي، وبوساطتها نفسّر كثرة تصانيفه وحرصه على الإكثار منها وعلى الإدلال بعلمه، وتكثّره من الشيوخ وطعنه في علماء عصره، وكأنه يرغب في حذفهم وإلغائهم جميعًا ليخلو له في الميدان، وهذا ما أثارهم عليه، وكانت مشاحناته معهم باعثًا آخر من بواعث الإكثار من التأليف، فإذا كانت رغبته في أن يظهر فقيهًا تحدوه لأن يشرح الروضة أو المنهاج، فإن عداوته للسخاوي دفعته لتصنيف (الكاوي في تاريخ السخاوي(90) ، وكذلك صنف (اللفظ الجوهري في رد خباط الجوجري) (91) ، و (الكر على عبد البر) (93) ، وغيرها.

لقد كان جلال الدين ذا حظ عظيم في حياته وبعد وفاته، وكان لمصنفاته ذيوع في العالم الإسلامي، في أيامه وحتى أيامنا، واهتم عشرات العلماء من المعاصرين بكتب السيوطي، تحقيقًا وضبطًا وشرحًا، وها نحن اليوم في ندوة حول السيوطي، ومنذ أشهر كانت هناك ندوة حوله في القاهرة، وفي دمشق صدر عدد خاص من مجلة التراث العربي حول السيوطي (93) ، وأيضًا صدر عدد خاص من مجلة مجمع اللغة العربية بدمشق عنه (94) ، ولو كنا منصفين لاحتفلنا قبل تسع سنوات بمرور خمسمائة عام على وفاة السخاوي مثلًا، ولكن السيوطي رزق هذا الحظ العظيم من الاهتمام الذي لم يتح مثله للإمام الشافعي نفسه ولا لأبي حنيفة ومالك وابن حنبل، أليس هذا من العجب العجاب؟

إن ما قدمته ليس إلا جولة تحليلية في سيرة السيوطي، رمت إلى تبيان مفتاح شخصيته، تلك الشخصية التي هيِّئ لها من الاستعداد الطبيعي والتربية الملائمة لتكون على ما كانت عليه، وفي مقدورنا اليوم أن ننظر إليه وإلى أقرانه بعد أن فصلت بيننا وبينهم القرون بعين العدل والإنصاف قدر المستطاع، لنعطي كل ذي حق حقه، وغير بعيد أن يكون طَعْن بعض علماء عصره فيه ليس باعثه الحسد، ولا يسقط طعنهم فيه كونهم متعاصرين، بل إن في طعنهم من الحق شيئًا، ربما كان ليس باليسير الهين..

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت