فهرس الكتاب
من الناحية العلمية وضمن ما ورد في سياق نصوص الأساطير، والكتب المقدسة، لا يمكن أن يكون الطوفان عامًا لكل اليابسة في الكرة الأرضية، فمن أين جاءت فكرة التعميم؟ ربما لاحظ الإنسان في ذلك العصر كما نلاحظ اليوم وجود مستحاثات حيوانية بحرية ضمن صخور الجبال العالية كجبال طوروس وجبال آرارات وجبال الألب وجبال هملايا. ولا يمكن تعليل وجود هذه المستحاثات المائية في تلك الصخور إلا بافتراض طغيان الماء عليها. والحقيقة من يدرس الجيولوجيا (علم الأرض) ، يعلم أن جغرافية الأرض تبدلت كثيرًا في الأحقاب السابقة قبل ملايين السنين، فما نراه اليوم يابسة كان قعرًا لبحر لجي عميق والشاهد على ذلك طبيعة الرسوبيات وما تحمله من بقايا أحياء بحرية، فرسوبيات الشاطئ تختلف عن رسوبيات الرصيف القاري ورسوبيات المنحدر القاري، كما لرسوبيات الأعماق طبيعة معينة. وعلى سبيل المثال كشفت التحريات الجيولوجية أن رسوبيات جبال طوروس وجبال آرارات كانت متوضعة في قعر بحر عميق قبل مائتي مليون سنة في الحقب الثاني، في العصر الذي انتشرت فيه الزواحف الضخمة"الديناصورات".
ونتيجة الضغط الداخلي على قشرة الأرض وتحرك الصفائح القارية تنشأ السلاسل الجبلية وهكذا نشأت السلاسل الجبلية المذكورة أعلاه، ويقدر العلماء أن جبال آرارات انحسر عنها الماء قبل ستين مليون سنة نتيجة ارتفاع المنطقة ببطء وما زالت ترتفع. والبحر يتراجع للأماكن المنخفضة.
وفي بعض المناطق حدث ارتفاع اليابسة ثم انخفاضها ثم ارتفاعها ثانية، فطغى عليها الماء مرتين كما يستدل على ذلك من رسوبياتها، ولكن هذه الأحداث تتم بمقياس زمني جيولوجي يقدر بملايين السنين، فلا يصح تعليل طوفان نوح بأنه أحد دورات المد البحري على اليابسة لأنه دام عدة أيام وعلى الأكثر سنة كما تروي التوراة، وحدث قبل بضعة آلاف سنة وهذا لا تؤيده التحريات الجيولوجية.