وإبراهيم كيلاني.. ناقد، ذكي مثقف، يعرف كيف يسلّط الضوء على البؤر الهامة في جوانب الشخصية، وقد يعزز آراءه وأحكامه بفيض من الشواهد الأدبية والنقدية، على أن ما يمتاز به نقده هو دقة الحكم وجودة الاستنتاج ففي دراسة للشاعر عبد الباسط الصوفي يخلص إلى ظاهرة لم يفطن إليها من سبقه، ألا وهي ظاهرة تدجين الانفعال وتثلم حدة الاستجابة لدى بعض شعرائنا المعاصرين، في حين أن ثورة الانفعال ظلت سمة ملازمة للصوفي في شعره، وهي ثورة أشبه بالزيت الذي كان ينير مصباح شاعريته ويغذي ذبالته، لكن هذه الحدة في الانفعال كانت عاصفة إلى حد أن أعصاب الشاعر لم تحتملها في نهاية المطاف.
وسأحاول في هذا العرض متابعة أحكام الدكتور إبراهيم كيلاني النقدية، واستعراض آرائه فيمن صورهم أو ترجم لهم، وذلك من خلال منهج الناقد ونظراته التحليلية.
الشاعر القروي"رشيد سليم الخوري"1887-1984:
يستهل المؤلف ترجمته للأديب"رشيد سليم الخوري"الملقب بالشاعر القروي، فيتحدث عن رجوعه إلى الوطن الأم بعد اغتراب دام خمسة وأربعين عامًا، فلما بلغ أرض سورية قبّل بعد نزوله من الطائرة أول فلاح وأول جندي لقيهما، وحمد الله على سلامة الأوبة، وسجد له شكرًا.
والقروي في رأي الدكتور"كيلاني"شاعر من طراز نادر في سيرته وصراحته وإبائه وحبه لبلاده وتمسكه بالعروبة.
ولد"القروي"في لبنان بقرية"البربارة"عام 1887، في السابع عشر من نيسان وهو يوم الجلاء عن سورية، وفي هذا يقول معتزًا:
إن فاخر الناس بأعيادهم
وتلقى تعليمه في مدرسة القرية والجامعة الأمريكية، ودرّس في وطنه سبع سنين، ثم هاجر عام 1913 إلى البرازيل هربًا من ضائقة مادية وروحية، وعمل بائعًا متجولًا في ديار الغربة، وقاسى العناء، وغامر بالتجارة، وصناعة ربطات العنق فما أفلح، لأنه لم يخلق للتجارة وجمع المال، بل فطر على حب الأدب والتأمل: ... لما عرفت قيمة كنزي