"إذا لم أصب مالًا فما عن بطالة، فللعلم أشغال وللمال أشغال"ويرد إبراهيم كيلاني تكوينه الجسدي والنفسي إلى عوامل وراثية، فقد ورث عن أبيه القوة الجسدية والصلف وحبّ العلم، وعن أمه عذوبة الصوت والميل إلى الغناء والموسيقا، ويصف الشاعر زواج والديه فيقول:
"وقد عقد لديهما في الصيف، وأسرّة الناس السطوح، وقناديلهم النجوم. ونوافذ منازلهم عرض الفضاء، فكنت أشهد السماء بعيني والدي، وأوقّع نبضات قلبي الخيالي على نبضات قلبيهما..".
وكان"القروي"في حياته متصوفًا، ورث عن محيطه حب الطبيعة وبساطة العيش والقناعة والزهد بالمال، وتنزّه عن المراءاة والتصنّع، فكان قليل الاحتفاء بمظهره. وقد جعلت هذه العوامل شخصية متماسكة مترفعة عن الانحدار إلى التهافت على المادة يقول:
بعدت همتي فعفت كنوز الأرض
لا أبالي شبعت أم جعت ... والفن شرابي وعزة النفس خبزي
وقد آلمه انحدار بعض المغتربين إلى أعمال وممارسات جلبت عليهم احتقار سكان المغترب الأصليين، فنعتهم حتى الزنوج بكلمة"توركو"احتقارًا: ... بده في الحق ما أكلته جمرة الحسد
كن بينهم رجل الزمان تظل توركو محتقر
حتى العبيد السود قد سخروا بنا مع من سخر
أما عفة الشاعر القروي وصراحته كانت لا نظير لهما في سير أخلاق أهل العصر، فقد اكتفى من الدنيا بعوده والكتاب، وأنف قبول مساعدة أصدقائه المهاجرين لشراء بيت يؤويه، فتحوّل رصيد التبرع لطبع ديوانه، فلم يستر عيبًا من عيوب طفولته إلا ذكرها، ففتح شريط حياته الخفية على الناس، بأسلوب رفيع يكشف عن قدرته الأدبية على الإبانة والتأثير، والإفصاح عن مشاعر سامية تثير الإعجاب، وتبعث على تقدير ما اتصف به من إباء وسمو:
لو كان يدري حسودي ما أكا
إني صعدت إلى مجدي على جبل ... مما تهدّم من روحي ومن جسدي