فهرس الكتاب
لعل أكثر الدراسات منهجية وأصالة وجدة تلك التي قدمها الناقد الكيلاني عن الشاعر السوري خليل مردم بك.. استهلها بنشأته، فذكر أنه ولد عام 1895 في دمشق من أسرة عريقة في الوجاهة واليسر، ونشأ يتيمًا فاقد الحنان مما خلق لديه استعدادًا للكآبة والعزلة والانطواء على الذات، غير أن يتمه عصمه عن مفاسد أبناء اليسار، وانقطع عن الدراسة طفلًا بعد وفاة أبيه، إلا أنه استعاض عن التعليم النظامي بدروس خصوصية، فتعلم بعض الفقه على الشيخ عطا الكسم مفتي سورية، وطرفًا من الحديث الشريف على المحدث الشيخ بدر الدين الحَسَني، ودروسًا في الصرف والنحو على الشيخ عبد القادر الاسكندراني، وظهر ميله للشعر في سن مبكرة، مما حفّزه على قراءة كتب الأدب ودواوين الشعراء، وأعجب بكلام الإعراب فجمع منه قدرًا نشره في كتابه"الإعرابيات"وأولع بمحيطه الدمشقي وعاداته وتراثه فعني بأمثاله وأدبائه، فحقق ديوان"ابن عنين"وهو شاعر من"حوران"عاش في دمشق و"ابن حيّوس"و"ابن الخياط"الدمشقيين. وطبعته بيئة دمشق الناعمة وغوطتها الغناء برهافة الحس والرقة، ووفرة التهذيب والهدوء والتأدب وأنس المجالسة واللطف، كما كان لمنشئه الأسري الرفيع أثر في سلوكه واعتداده بنفسه وطبقته دون صلف، فلم يكن متكبرًا لكنه كان مترفعًا عن مخالطة الناس صونًا لنفسه من الابتذال، ولم يكن يجهد بالدفاع عن طبقته في مواجهة التبدلات الاجتماعية، ولا عارض ذلك المدّ الجماهيري الذي كان يطمح إلى إزالة الفوارق الاجتماعية، لكنه لم يتخلّ عن الاعتزاز بالألقاب المتوارثة.