فهرس الكتاب
لم يتأثر"خليل مردم بك"بثقافة أجنبية، وإنما عمل وسطه على تكوينه وهو وسط ثقافي عربي خالص، كما صقلت بيئة دمشق روحه، فهو واحد من شعراء المدرسة الشامية التي حدد سماتها النقاد برقة الطبع وحلاوة جرس الشعر، والامتزاج بالطبيعة.. وما زالت تحفظ بهذه السمات بعده وأصحاب هذه المدرسة الشامية لا يعنون كثيرًا بالفلسفة والتأمل، وإنما يفهمون الشعر غناء رقيقًا يفيض من العاطفة والحس.
وأُعجب"خليل مردم"بالشاعر البحتري.. فكان شاعره المفضل، ولا عجب في ذلك فهو من أعلام هذه المدرسة الشامية، وشعره يمتاز بالرقة حتى سمي"سلاسل الذهب"وهو شديد الولع بالطبيعة وتشخيصها..
وخالف وصية أستاذه أبو تمام، فلم يعقد شعره بالفلسفة، وإنما جارى عفويته وصفاء طبعه.
مرآة أحلامي ومرتع صبوتي
كم جولة لي ثم حائرة الخطا ... بين الخمائل كالفراش الحائر
يقتادني من كل شطر جاذب ... من منظر نَضْرٍ وحسن باهر
والزهر يلقاني بثغر باسم ... وبوجنه حمرا وجفن فاتر
من أحمر قان وأصفر فاقع ... أو أزرق زاه وأبيض سافر
والشاعر خليل مردم مولع بالتشخيص، في وصفه حركة وحياة وخفة، وتصدى لموضوعات تشق على الشعراء فأجاد، من ذلك وصفه المبدع لفراشتين في حقل، سخّر فيه حاسة البصر، فجاءت القطعة حافلة بالألوان والحركة: ... بروض ناعم تتغازلان
تسر الناظرين فراشتان
تبرجتا بنفض من سواد ... على أعطاف حلة أرجوان
إذا ما ثارتا فشرارتان ... وإما قرتا فشقيقتان
أفانين من الحركات زاغت ... لها عيني وعيَّ بها لساني
كما تناول في وصفه موضوعات إنسانية، فوصف الضحية والجزار الذي يذبحها ورمز بها لذبح الشعوب، ووصف الرقص ممهدًا الطريق في هذا الباب لغيره من الشعراء كنزار القباني، وهو في وصفه لعادات أبناء طبقته التي أخذت بأسباب الحضارة الغربية يقوّم هذه العادات الوافدة ويتساءل عن مصير المجتمع.. ... على مخفوض عاتقه اليسارا
لكنه لا يرفضها. وفي وصفه نزعة تسجيلية ودقة ملاحظة يقول في وصف الرقص:
فخاصرها بيمناه وألقت