فهرس الكتاب
ودرس بعد ذلك على يد الشيخ صالح التونسي، ثم ندب مدرّسًا للعربية في المدرسة العثمانية. ومحمد البزم مثال للرجل العصامي الذي بنى نفسه بجهده وجهاده العلمي الذي قاده إلى إتقان اللغة العربية وتعرف أسرارها. كان"محمد البزم"مغرقًا في الطول ذا منظر بهي وحركات هادئة، في شموخه لون من التعالي والمهابة، ومع اتزانه كانت روحه ثائرة، ومزاجه حادًا، وأوقعه إخلاصه للعلم في خصومات ومجادلات، ولا سيما في ميدان النحو الذي طمح أن يجاري فيه علماء كسيبويه والأخفش، وكان ينفذ إلى خصومه من الناحية العلمية، ولم يكن ينجو من تصرفاته ولسانه تلامذته ومعارفه وزملاؤه سوى الشيخ سليم الجندي، كان لمحمد البزم بروز في النحو لكنه لم يؤلف فيه، وأخذ على نفسه التحدث باللغة الفصحى في حياته العامة، حتى أصبح يتكلمها بيسر عجيب.
ويروي عنه تلميذه"إبراهيم الكيلاني"أنه كان معه في المطاعم.. فخاطب الخادم قائلًا بلغة فصيحة:
إئتني بقصعة من الحمص، وإياك أن تذر عليها شيئًا من التوابل والأفاويه وجنبني ما استطعت الحامض والزيت.. فوجم الخادم محتارًا..
كان محمد البزم يأخذ طلابه بالشدة، فالويل لهم إذا غلطوا، فهو يعلق على غلطهم بمثل قوله: ويل للعربية من أمثالك.. أو: ليتك رزقت الخرس ولم تجب.. وقد ألِفَ طلابه منه ذلك، فكانوا يتقبلون منه الهجوم، ويثيرونه أحيانًا ليسمعوا ما يمتعهم، وهو يرى في ذلك تطرية للدرس، وجذبًا لطلابه وترويجًا عنهم، ويبدو أنه اعتمد منهجًا معينًا في تدريس النحو.. فمال إلى تحديده وتقييده من خلال كلياته، وأمعن في التطبيق عليه، وحببه إلى نفوس طلابه بأساليب تربوية، وكان يحسن الظن بقدرة طلابه على تمثل هذه المادة التي يرى أنها اتهمت بالجفاف والجمود، فهي أدعى لإثارة تفكير الطالب وإمتاعه. فمن تعريفاته الطريفة للحال: هو نعت خالف منعوته فعوقب بالنصب..