فهرس الكتاب

الصفحة 12769 من 23694

لقد كانت الحضارة العربية الإسلامية تعيش فترة من أخصب فتراتها، إنها المرحلة التي بدأ احتكاك الحضارات المختلفة فيها يعطي ثمراته، وإذا كانت بعض علوم العربية قد نشأت نشأة ذاتية فإن بعضها الآخر لن يتكوّن- وإن كانت جذوره موجودة- إلا عبر هذا الاحتكاك وعبر جدلية التأثير والتأثير بين الداخل والخارج من خلال تفاعل الداخل مع ما يرِد عليه، وإذا كانت هذه الظاهرة يسهل رصدها في مجال الطب والحشائش فإنه يصعب رصدها في مجال النقد، لأن النقد أوسع انتشارًا لأن كتب الأدب ومجالسه تتعاور القول فيه.

ولن يفوتنا هنا أن نشير إلى العلاقة الوثيقة بين مصطلح الفحولة وبين البيئة التي نشأ فيها، فالفحولة بمعناها الوضعي لا علاقة لها بالشعر والشعراء، لكنها نقلت على نحو ما لتكتسب دلالتها الاصطلاحية، وأصبحت عبارة الشاعر الفحل تعني الشاعر المقتدر على قول الشعر الجيد والمكثر منه، وأصبح لهذا المصطلح مرجعية في أذهان علماء الشعر، وهذا ما سوغ لابن سلام أن يجعل الفحولة عَلَمًا على كتابه إذ وسمه بـ"طبقات فحول الشعراء".

غير أن مثل هذا المصطلح لم يكن له أن يكون كافيًا لتأسيس علم النقد في عصر بدأ فيه تمازج الثقافات وتفاعلها يأخذ أبعاده ومداه، وخاصة أن الجدل أصبح علمًا، وأن المعتزلة كانوا يخوضون في أمور تتطلب مصطلحات خاصة تضبط لهم مذاهبهم، ومما يمثل لنا ذلك كتب الجاحظ المختلفة التي كانت تلبية لحاجة اجتماعية عقلية دينية، لذلك ترددت في كتبه طائفة من الاصطلاحات والآراء النقدية، ان ما يهمنا في كتب الجاحظ وكتب ابن قتيبة تلمس مظاهر الصراع بين أنصار الثقافة العربية المتعصبين لها الرافضين ما عداها، وبين أنصار الثقافات الأخرى وخاصة الثقافة اليونانية، هذا الصراع الثقافي الذي أسهم على نحو إيجابي في تكوين المصطلح النقدي تكوينًا يلائم ويناسب ما تراكم وتفاعل من ثقافات في المجتمع العربي.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت