فهرس الكتاب
وبالرغم من بوادر الانحلال في شخصية الإنسان العربي، ومظاهر التمزق في المجتمع آنذاك، فقد مجّد المتنبي العزة العربية في شخصية سيف الدولة، ورسم لأجيال مثلًا أعلى في الأنفة القومية، وحصَّن الشخصية العربية من التردي والانحلال، لكنه بدا طائرًا أضاع سربه حين تخلى عن الإحساس بكرامته الإنسانية وعزته القومية وقيمته كمبدع ستخلده الأجيال، فالمجد ما زال يتمتع به إلى يومنا كفنانِّ خالدٍ يتجاوز كثيرًا ما كان يطمح إليه من مجد زائل من خلال سعيه لولاية يستجديها من"كافور الاخشيدي"، ويريق ماء وجهه ويتخلّى عن قيمه في سبيلها، على أن أبرز ما كان يفتقر إليه المتنبي في نظر"عبد العزيز التويجري"حالات من الوهن النفسي والانهيار، وحدَّة الطبع، والتسرع في اتخاذ القرار أمام المواقف، والتويجري لا يلومه في ذلك، فإن للرجل طبعه وظروفه ومنطق عصره، وتكوينه النفسي.
سأحاول أن أقدم صورًا عن محاورات الشيخ عبد العزيز التويجري مع أبي الطيب المتنبي، ومجاراة فكر الشاعر والمؤلف في رحاب التأمل.
يقول المتنبي:
أنا صخرة الوادي إذا ما زوحمت
وإذا خفيت على الغبيّ فعاذر ... ألاّ تراني مقلة عمياء
يعلّق عبد العزيز التويجري، فيتوقع أن يكون المتنبي قد اجتاز في رحلة مطاياه واديًا من وديان نجد.. ويضيف:"قد جاوزت نفسك الجوزاء، وصخرة الوادي، وكواسر الطير، ولكنها لم تتجاوز حلبة الصراع الذاتي، بل أفرعت من الإنسان سكينته". ... لآخذ من حالاته بنصيب
ويعلّق على بيت المتنبي الثاني فيقول"أمنحك العذر، فقد كنتَ آنذاك علمًا تتباهى بطولك وسط القصار، أما اليوم. فقد تقاصر الطويل، وتطاول القصير، فتساوت الأنوف تحت سقفنا المعتم".
ثم يضيف:"وظني أن الإنسان إذا لم يعد إلى ثياب القرية والصحراء والخيمة ولباسها النقي فلن يسعد، ولن ينجو من الدمار، لأن الحياة المادية التي نحياها اليوم، وبعيد عنك تصورها، قمقم مليء بالآفات والوحوش..."