فهرس الكتاب
نحن عرب الصحراء طوينا خيامنا ثم أحرقناها، فالخيمة التي حملها معه الرجل الأول من يثرب، وبناها ثلاث قارات من الأرض، كانت الرمز الحضاري الأخلاقي، ويوم حلّت محلها ناطحات السحاب جلسنا القرفصاء نجتر آلامنا.""
يقول المتنبي في تعزية سيف الدولة في غلام له:
لا يُحزن الله الأمير فإنني
وقد فارق الناس الأحبة قبلنا ... وأعيا دواء الموت كل طبيب
فيعلّق"التويجري"على الأبيات مبينًا حتمية الموت التي لا يجدي فيها رثاء شاعر، ويدعو المتنبي إلى أن يتأمل مصير الفناء الذي ينال الكون بأسره، ليجد فيه التعزية العظمى، فالأمير وغلامه المعزى به، خيط طرحته الحياة على قارعة الموت، فما نفع العزاء... ... فإنك كنت الشرق للشمس والغربا
ويضيف"التويجري":"ستون عامًا وأنا أسير خلف الجنائز، ويدي تدفنها، وعيناي تذرفان الدمع، ومع هذا لم نفقه العزاء من فم القبر.".
إن كل من طرح السؤال عن الحياة والموت لم يتلق جوابًا عنه، فلا نفع في الحيرة أمامهما، ولا فائدة من حلّ اللغز، ولنتحول عنهما إلى الداخل فينا، فالمشكلة ليست في الحياة أو الموت، إنها في الإنسان ذاته في تصدّعه من الداخل، وليست الجثة هي التي نسوقها إلى القبر، فما أكثر الجثث التي تمشي على أقدامها في الحياة وبيننا، لأنها لم تهتد إلى فعل جميل، وما أحوجنا إلى أن نتقبل العزاء بها بدل التعزية بالأموات..!!
ونقرأ أبيات المتنبي في الوقوف على الأطلال، ومنها:
فديناك من ربع وان زدتنا كربًا
وكيف عرفنا رسم من لم يدع لنا ... فؤادًا لعرفان الرسوم ولا لُبا
ومن صَحِبَ الدنيا طويلًا تقلّبت ... على عينه حتى يرى صدقها كذِبًا
أرى كلنا يبغي الحياة لنفسه ... حريصًا عليها مستهامًا بها صبا
ويختلف الرزقان والفعل واحد ... إلى أن ترى إحسان هذا لذا ذنبًا