فهرس الكتاب

الصفحة 12967 من 23694

ليس يخفى أن وصف البحر الجزئي القصير في هذه المقطعة لم يكن لذاته بل كان إطارًا مكانيًا للحدث فهذه المقطعة التي يتوهم أنها في وصف البحر وهياجه وازدحام الموج وتلاطمه، يقتصر فيها وصف البحر على الشطر الثاني من البيت الأول في التشبيه القرآن المعروف"الموج كالجبال"بينما تنصرف الأبيات التالية إلى ذكر الريح الشديدة وتمزيقها شراعي السفينة وحلها أربطة الحبال ثم وصف خطورة موقفهم ووقوفهم على شفا حفرة من الموت ويحتوي البيت الأخير من هذه المقطعة على الحدث وهو قول صديقه الذي يحمل الاسم نفسه، ومؤداه أن النورمان الذين صحبوهم في سفارتهم لم يكترثوا بهم عندما هزت الأمواج السفينة ولعبت بها بل حرص كل واحد منهم على نجاته وسلامته وحسب. بسهولة عجيبة تصل إلى حد الامتناع استطاع الغزال أن يصف أهوال البحر التي اعترضته في عبوره إياه وكانت جميع هذه الصور الفنية البسيطة البلاغية منها والحرفية والمستمدة من التراث والمأثورات الشعبية أو الأساطير-مناسبة شديدة المناسبة متواشجة شديدة التواشج، متعانقة متنامية تذوب الأولى في الثانية وتفنى بها حتى تحقق ما يطلق عليه في النقد الحديث الوحدة الموضوعية والشعورية والعضوية، وتوحي الدلالة النفسية لهذه الصور الفنية بروح صاحبها المرحة التي تطفح بالدعابة الممزوجة بشيء من السخرية حتى في الأوقات الحرجة. ... أمواجه والورى منه على سفر

وإذا كان عنترة العبسي يذكر حبيبته في الوغى في بيتيه الرائعين المشهورين (4) فإن أبا حيان يذكر حبيبته في البحر وهو وغى أيضًا ويصف أهوال هذا البحر ليجعل منه الإطار المكاني المناسب لمشهد الشوق المتوهج والوجد المتقد يقول:

"لقد ذكرتك والبحر الخضم طغت"

في ليلة أسدلت جلباب ظلمتها ... وغاب كوكبها عن أعين البشر

والماء تحت وفوق المزن واكفه ... والبرق يستل أسيافًا من الشرر

والفلك في وسط الماءين تحسبها ... عينًا وقد أطبقت شفرًا على شفر

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت