ومن الجليّ أن هذه المقطعة ليست من الطبقة الأولى وأنها تتسم بمسحة شعبية وأنها تتكئ جميعها على البيت الأخير المتميز الذي نظر إليه السهروردي (- 587) في قوله: ... بحرٌ وشدة شوقهم مَلاّح (37)
ركبوا على سفن الوفا ودموعهم
وفي مقطعة أكثر نجاحًا وصورة أكثر نضارة أعاد ابن خاتمة هذا المشهد المركب: ... وما هدا الجفن والأجفان مثواه
وقال في وداع راكب بحر:
يا راكب الفلك والأفلاك تهواه
ما مهجتي فهي فُلك ريحه نفسي ... وبحره فيض دمعي فَلْتَمَطَّاهُ (38)
ويفارق ابن حمديس حبيبته مضطرًا ويسافر عبر البحر لشؤونه، فيضج الحنين وتلفحه نار الشوق فيخرج هائمًا على وجهه فيجد قدميه قد أوصلتا جسده المتعب إلى شاطئ البحر فيزوره يرقب إياب سفينة لا ترجع فيتمازج مع البحر ويتوحد معه فيصير هو نفسه بحرًا تطفح عيونه بلآلئ الدمع: ... في العين منك جمانه رطب (39)
كم ذا يزور البحر بحر أسى
وينظر ابن حمديس فلا يرى إلا زرقة البحر الممزوجة بزرقة السماء ويطول انتظاره وينفد الصبر ويضعف الجلد فلا يجد إلا الأماني يتعلق بحبالها الواهية: ... لبست النعيم بها لا الشقاء
وراءك يا بحر لي جنة
إذا أنا حاولت منها صباحًا ... تعرضت من دونها لي مساء
فلو أنني كنت أعطى المنى ... إذا منع البحر منها اللقاء
ركبت الهلال به زورقًا ... إلى أن أعانق فيها ذكاء" (40) "