فهرس الكتاب
وكان بدأ هذه الاستعادة الشعراء في محاولة لبعث التجربة الصوفية في الشعر، فتعددت أوجه استدعاء الشخصيات الصوفية واكتناه مواقفهم الحياتية والوجودية والسياسية. ثم انتقلت الاستعادة إلى كتَّاب القصة الذين وجدوا في السرد الصوفي ضالة طالما انتظروها تعبيرًا عن رؤيتهم للعالم. وكان أن جعل بعض القصاصين السرد الصوفي أسلوبًا قصصيًا كما فعل جمعة اللامي في مجموعاته القصصية"اليشن" (1978) و"الثلاثيات" (1979) (17) . وروايته"المقامة اللامية" (18) . ويقوم الموروث السردي الصوفي على غنى التعبير الصوفي عن التجربة الإنسانية بأبعادها الاجتماعية والسياسية والفكرية والروحية، فيكثر التأويل في مناخ الأحلام والرؤى الغامضة، مما يؤدي إلى مفردات خاصة، وإحالات ثقافية مغرقة في الإيهام والغوص الذاتي والهيام الروحي، من شأنها أن تكسر المألوف وتخترق العادي، فينكسر السرد بعناصر غير واقعية، وتتغلب النجوى الذاتية على حوار التاريخ، وينتشل القاص الواقعة من بحران الرؤى المجنحة، والمعاني المبهجة، والكشف اللا نهائي لأبعاد الفعل الإنساني الذي غالبًا ما يتداخل مع لغة الإشارة واللمح، وهو الموروث السابق على الكشوفات النفسية الحديثة، وما طورته التجربة الفنية في السريالية والدادائية.
تتصدى رواية - المقامة - لواقع سياسي اجتماعي متداخل يتبدى لنا غائمًا حينًا وصريحًا حينًا آخر عبر نزوع انطباعي يندغم في غموضه إلى حد الإبهام في مواقع كثيرة مما يجعل تحديد الأحداث والشخصيات صعبًا إلا أن المرء سيحتاط لمقدرة الكاتب الحكائية بحثًا عن دلالة أو معنى.