فهرس الكتاب
وفي هذا المقام، نشير إلى أمر هو أن التجديد ارتبط لدى القصاصين الحداثيين باستعادة تقاليد السرد الشعبي بالدرجة الأولى، ويعد غسان كنفاني مثالًا ساطعًا لمثل هذا التجديد الذي مارسه في أعماله القصصية، حين مازج بين الموروثات السردية، ولا سيما الشعبية والتقنيات الحداثية. وإذا كان التقليد الغربي جليًا في روايته"ما تبقى لكم" (1966) ، فإن كتابه القصصي"أم سعد" (1969) لا يعدو كونه استعادة لفن الخبر والحكاية الشعبية، فقد كان التقليد التراثي واضحًا في منتهاه في قصصه التي أهداها إلى"أم سعد، الشعب المدرسة"، ويوضح مدخله إلى الكتاب، قصده في كتابة قصصية تتعلم من الشعب لتعلمه (27) . وبغض النظر عن التحكمية الإيديولوجية في الكتابة القصصية عند كنفاني، فإنها تفصح عن الخيارات القاسية التي واجهها القصاصون العرب الحديثون في سعيهم إلى تركيب قصصي عربي متميز كان عماده الموروث السردي والفولكلوري.
ومن المفيد أن نشير إلى أن استعادة الموروث السردي الفولكلوري كانت عماد القصاصين العرب بالفرنسية، ومن أبرز الأمثلة الدالة على ذلك القاص محمد عزيزة في كتابه القصصي"البحار والاسطرلاب"التي ظهرت بالفرنسية في أواخر السبعينات (28) ، وفي هذا الكتاب يستعيد محمد عزيزة دور الراوي الشعبي في سرد الحكايات على الناس في الأسواق، مازجًا بين الأدب الشعبي والتراث الرسمي والتأريخ حيث قراءة جديدة لقصة الطير البرني"الطير اللي يغني وجناح يرد عليه"وحكايات"جبل العنكبوت"و"ثورة الزنج"و"العودة إلى سمرقند". ومن هذا التداخل، يستحضر القاص مناخ الحكاية الشعبية وأُفق التأريخ، ويحاور تراثًا عربيًا وإنسانيًا من ابن رشد والأشعري والتوحيدي وابن ملقة إلى جلجامش وبور خيس والمتنبي وجورج باتاي وجلال الدين الرومي ونيتشه وهنري ميشو وغيرهم، ويصوغ بعد ذلك رؤية عن المبدع في زمانه تحت وطأة الظرف التاريخي.