فهرس الكتاب
ومما يدل على أثر العلماء في الناس مشاركتهم في جنازات العلماء الفاضلين منهم، قال رسول الله (r) ، [موت العالم ثلمة في الإسلام] فموته يعني موت مؤسسة، ولذلك كان طلابه ومريدوه يبكونه بصدق، ويجسِّدون الخسارة ينظم قصائد الرثاء، وحين مات الإمام أبو حنيفة (ت 153هـ) صُلِّي عليه ست مرات لكثرة الزحام، وحضر جنازة الإمام أحمد بن حنبل"ثمانمائة ألف من الرجال، ومن النساء ستّون ألف امرأة، وكان دفنه يوم الجمعة". ولما مات الجنيد الصوفي (ت 298هـ) قدر عدد الذين صلوا عليه بستين ألف إنسان. وتوفي الفقيه علي بن عقيل (ت 513هـ) فصلّي عليه في جامع القصر والمنصور وكان الجمع يفوق الإحصاء. قال عبد الرحمن بن الجوزي في المنتظم: (قال شيخنا ابن ناصر أي شيخ ابن الجوزي حذرتهم بثلثمائة ألف) .
ومما يشعر بمكانة العالم التفاف الناس حوله في أيام (المحن) التي كان يتعرض لها من الحكام أو الخصوم، فقد تعرض الإمام ابن حنبل للمحنة زمن المأمون، حين رفض القول بخلق القرآن، فخرجت تظاهرات ضخمة في بغداد لتأييده، كانت من الأسباب التي دعت الخليفة إلى التراجع عن قراره وإطلاق سراحه.
وقد ساعد التقارب بين العلماء وعامة الناس على تشكيل رأي قوي في المجتمع الإسلامي يقف في وجه كل انحراف أو زيغ يصدر عن أولياء الأمور، وقد تمتع بهذا الدعم رجال الدين من فقهاء ومحدثين. أما أصحاب العلوم الأخرى من المتكلمين والفلاسفة والنحاة فلم تكن لهم تلك السلطة التي كانت لأصحاب علوم الدين لأن علومهم لا تتصل كثيرًا بحياة الناس ومعتقدهم الديني.