فهرس الكتاب

الصفحة 13013 من 23694

وعن علاقة العلماء بزملائهم يشير المؤلف في الفصل الثاني إلى أنها كانت على الأغلب علاقة مودة وتعاون واحترام، فقد أراد محمد بن السري الزجاج (ت 310هـ) من أصحاب المبرد أن يناظر أبا العباس ثعلب، وكان ثعلب أميل إلى المدرسة الكوفية، فلما ناظره ألجمه ثعلب بعلمه وطالبه بالعلّة، فأدرك سعة علمه ورجاحة عقله، واعتذر لتطاوله عليه. وكان المتنبي يقول عن ابن جني (ت 393هـ) : هذا رجل لا يعرف قدره كثير من الناس.

ودرج العلماء على التشاور في مسائل العلم، وتقدير أصحاب النظر والأكثر إحاطة بالعلم، كان المازني يقول لأصحابه إذا اختلفوا في مسألة من مسائل النحو: ابعثوا إلى هذا الفتى الكاتب (يعني محمد عبد الملك الزيات) واسألوه واعرفوا جوابه.

وكان العلماء يعترفون بعلم العالم، ويتابعون مسائل العلم بالمراسلة والزيارة، ويرتبطون فيما بينهم بعلاقات من الودِّ والاحترام، فقد كتب نوح بن نصر إلى أبي سعيد السيرافي يسأله عن مسائل تزيد على أربعمائة مسألة الغالب عليها الحروف، وباقي ذلك أمثال مصنوعة على العرب شكّ فيها فسأل عنها، فأجابه عنها، وكان للخطيب البغدادي مراسلات علمية مع معاصريه في مختلف البلدان.

وقد بلغ من تواضع علماء المسلمين أنهم لم يكونوا يتحرجون من حضور دروس زملائهم المتخصصين بأبواب من العلم يجهلونها أو الذين يفوقونهم علمًا، فكان علي بن إسماعيل أبو الحسن الأشعري (ت 330هـ) يجلس أيام الجمعة في حلقة أبي إسحق المروزي (ت 340هـ) الفقيه في جامع المنصور، وحضر أبو بكر الخطيب البغدادي درس الشيخ أبي إسحق الشيرازي ولازم الإمام القشيري (ت 465هـ) دروس الإمام عبد الملك الجويني (إمام الحرمين) حتى حصلت له قدم راسخة في المذهب والخلاف وارتحل علم الدين قيصر بن مسافر الحنفي المصري (ت 649هـ) إلى الموصل لحضور دروس العالم الشيخ كمال الدين بن يونس (ت 639هـ) وكان متفردًا في علوم الموسيقا والرياضيات.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت