"وهما يعلمان أن الفرخين لا تتسع حلوقهما وحواصلهما للغذاء، فلا يكون لهما عند ذلك هم إلا أن ينفخا في حلوقهما الريح لتتسع الحوصلة بعد التحامها وتنفتق بعد ارتتاقها. ثم يعلمان ان الفرخ وإن اتسعت حوصلته شيئًا لا يحتمل في أول اغتذائه أن يُزقّ بالطعم فيزقّ عند ذلك باللعاب المختلط بقواهما وقوى الطعم- وهم يسمون ذلك اللعاب اللباء- ثم يعلمان أن طبع حوصلته يرقّ عن استمراء الغذاء وهضم الطعم، وأن الحوصلة تحتاج إلى دبغ وتقوية وتحتاج إلى أن يكون لها بعض المتانة والصلابة، فيأكلان من شَوْرَج (17) أصول الحيطان وهي شيء بين الملح الخالص وبين التراب الملح فيزقانه به حتى إذا علما أنه قد اندبغ واشتد زقّاه بالحب الذي قد غبَّ في حاوصلهما ثم زقاه بعد ذلك بالحب الذي هو أقوى وأطرى. فلا يزالان يزقانه بالحب والماء على مقدار قوته ومبلغ طاقته وهو يطلب ذلك منهما ويبض (18) نحوهما حتى إذا علما أنه قد أطاق اللقط منعاه بعض المنع ليحتاج إلى اللقط فيتعوده. حتى إذا علما أن أداته قد تمت، وأن أسبابه قد اجتمعت، وأنهما إن فطماه فطمًا مقطوعًا مجذوذًا قوي على اللقط، وبلغ لنفسه منتهى حاجته ضرباه إذا سألهما الكفاية ونفياه متى رجع إليهما" (19) .
ويصور مؤلف الكتاب مغازلة الحمامة الذكر للحمامة الأنثى تصويرًا بديعًا فيه نصيب كبير من التفنن:
"وذلك أنه يبتدئ الذكر الدعاء والطرد، وتبتدئ الأنثى بالتأتي والاستدعاء ثم تزيف وتتشكل (20) ، ثم تمكّن وتمنع، وتجيب وتصدف بوجهها، ثم يتعاشقان ويتطاوعان ويحدث لهما من التغزل والتفتل ومن السوف (21) والقبل ومن المص والرشف ومن التنفخ والتنفّج ومن الخيلاء والكبرياء ومن إعطاء التقبيل حقه، ومن إدخال الفم في جوف الفم وذلك من التطاعم وهي المطاعمة.. هذا مع إرسال جناحيها وكفيّها على الأرض ومع تدرّعها وتبعّلها ومع تصاوله وتطاوله ومع تنفّجه وتنفّخه مع ما يعتريه من الحكة والتفلي والتنفش (22) ."