ينوه الجاحظ بالفرق بين عمل الحيوان الذي هو من الإلهام والفطرة والذي قد يفوق صنع الإنسان وبين عمل الإنسان صاحب التمييز والروية والتصرف. والعلماء في الوقت الحاضر يستعملون في التفريق بينهما لفظي الذكاء النوعي الخاص بالحيوان والذكاء الفردي الذي يتصف به الإنسان. الذكاء الأول محصور بالنوع لا يستطيع الفرد تجاوزه إلى غيره إلا ما أدى إليه تغير البيئة وتبدل المحيط. والذكاء الثاني أقلّ هداية ولكنه أبعد مدى وأقوى بذاته على التغيير والتبديل. يقول الجاحظ:
"وليس عند البهائم والسباع إلا ما صُنِعت له ونُصِبت عليه وألهمت معرفته وكيفية تكلُّف أسبابها والتعلم لها من تلقاء أنفسها. فإذا أحسن العنكبوت نسج ثويِّه (بيته) وهو من أعجب العجب لم يحسن عمل بيت الزنبور. وإذا صنع النحل خلاياه مع عجيب القسمة التي فيها لم يحسن أن يعمل مثل بيت العنكبوت. والسرفة التي يقال، أصنع من سرفة، لا تحسن أن تبني مثل بيت الأرضة، على جفاء هذا العمل وغلظه ودقة ذلك العمل ولطافته. وليس كذلك العاقل وصاحب التمييز ومن ملك التصرف وخُوِّل الاستطاعة لأنه يكون ليس بنجار فيتعلم النجارة، ثم يبدو له بعد الحذق الانتقال إلى الفلاحة، ثم ربما ملَّها بعد أن حذقها وصار إلى التجارة (23) ."