فهرس الكتاب

الصفحة 13118 من 23694

ومثل ذلك الإلهام والمعارف الفطرية والهدايات الغريبة ما سخر الله تعالى حناجر الطيور"من ضروب النغم الموزونة والأصوات الملحنة والمخارج الشجية والأغاني المطربة. فقد يقال: إن جميع أصواتها معدلة وموزونة موقّعة، ثم الذي سهّل لها من الرفق العجيب في الصنعة مما ذلله الله تعالى لمناقيرها وأكفها، وكيف فتح لها من باب المعرفة على قدر ما هيأ لها من الآلة، وكيف أعطى كثيرًا منها من الحس اللطيف، والصنعة البديعة، من غير تأديب وتثقيف، ومن غير تقويم وتلقين، ومن غير تدريج وتمرين، فبلغت بعفوها وبمقدار قوى فطرتها من البديهة والارتجال، ومن الابتداء والاقتضاب، مالا يقدر عليه حذاق رجال الرأي وفلاسفة علماء البشر بيدٍ ولا آلة" (24) .

لقد أحسن الطير صنع أعشاشه ووهب خالقه لبعضه حسن الصوت فلا أقل من أن يصدح ويرجّع ويملأ الجو فرحًا وغناء إذا واتته أحباؤه أو شكوى وهتافًا إذا غابت عنه. لنتأمل الآن بعض ما ذكره الجاحظ في أصوات الطيور والحيوان عامة، بعد أن نقدم لذلك شيئًا من التوطئة.

إن أصوات الحيوانات الفقرية ولا سيما الطيور والثدييات تستعملها إزاء أعدائها أو اجتذابًا لأحبائها. ولكنها فضلًا عن ذلك تتضمن أحيانًا بعض المعاني، وتفيد في بعض المآرب والحاجات كالتحذير من الخطر أو نداء الصغار أو التنبيه على عمل أو الدعوة لطعام أو طلب العون.

واللغة الصوتية نامية جدًا عند الطيور يملك كل منها عضوًا للتصويت عند تشعب قصبته ذا قدرة على تنغيم اللحن فلا يفوق ترجيعها إلا الصوت الإنساني. وفي المقابل لما كان جهار الصوت متطورًا عند الطير كان جهاز السمع عندها متطورًا تطورًا عاليًا يناسب خصائص الأصوات التي تصدح بها. فالسمع والصوت توأمان.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت