ثم هناك شبه آخر بين صوت الإنسان وصوت بعض الطيور وذلك أن أصوات الحيوان حتى أصوات القردة وراثية وفطرية لا تنمو بالتربية والتثقيف، على حين نجد أن أصوات الشحارير العذبة الشجية ليست فطرية تمامًا بل هي مكتسبة تتعلمها الصغار من الكبار، فالطير المعزول منها لا يسجع بل يتعلم صوت الطير الذي يسمعه ولو كان من نوع آخر. ولكنه دائمًا يُؤثر صوت الشحرور من نوعه إذا سمعه بعد ذلك. ثم يرخم الصوت ويجود مع السن وعند الطيور المغردة مذاهب مختلفة في التغريد والترجيع كأنها مدارس فنية تعليمية.
وقد انتبه لذلك الجاحظ منذ القديم فكتب:"فأما الذي لا أشك فيه فإن الطائر الحسن الصوت الملحِّن إذا كان مع نوائح الطير ومغنياتها فكان بقرب الطائر من شكله، وهو أحذق منه وأكرز وأمهر، جاوبه وحكاه وتعلم منه أو صنع شيئًا يقوم مقام التعليم" (25) .
ويذكر تعليم بعض الناس للطير، فيقول:"وربما استأجروا للطير رجلًا يعلمها. فأما الذي رأيته أنا في البلابل فقد رأيت رجلًا يُدعى لها فيطارحها من شكل أصواتها" (26) . ثم ينوه باختراعها الأصوات واللحون، فيقول:"وفي الطير ما يخترع الأصوات واللحون التي لم يسمع بمثلها قط من المؤلف للحون من الناس، فإنه ربما أنشأ لحنًا لم يمر على أسماع المغنين قط. وأكثر ما يجدون ذلك من الطير في القماري وفي السودانيات ثم في الكرارزة" (27) .
وتبلغ قوة المحاكاة أوجها لدى الببغاء وأمثالها مما يحكي صوت الإنسان. ويذكر الجاحظ في ذلك بعض الغربان، فيقول:"ومنها غربان تحكي كل شيء سمعته، حتى إنها في ذلك أعجب من الببغاء" (28) . وهي جميعًا تكرر كل شيء سمعته من دون أن تفهم معناه، على أنها ربما أعادته في وقت مناسب لإيراده. ولا شك أن الببغاء من أذكى الطيور ولكن يعوزها أن يكون في رأسها مثل مخّ الحيوان اللبون.
والقرد ليس له قوة محاكاة الصوت. وقصاراه أن يتعلم كلمة أو كلمتين أو عدة كلمات، ثم يقف تعلمه بعد ذلك.