فهرس الكتاب
عاشر الجاحظ في حياته طائفة من أكابر القوم وصحبهم في أسفارهم ومن جملتهم الفتح بن خاقان، وكان الفتح واسع العلم كأنه خزانة كتب، ومدح جماعة منهم، وكان الجاحظ واسع الأسفار، جوّاب آفاق، وهو يثني على السفر في كتبه، فيرى في الضرب في مناكب الأرض"مشحذة للذهن، مصقلة للخيال"وقد اكتسب الجاحظ من أسفاره خبرة غنية بالناس والطبيعة، فزار أنطاكية ودمشق وربما سافر إلى مصر ووصف ما مرّ به من أمور في رحلاته وصف عالم لا شاعر، فتحدث عن منارة مسجد أنطاكية ووصف براغيث دمشق وعقارب مصر، واستقر أخيرًا بالبصرة في آخر أيامه، وقد أصيب بالفالج فأرسل المتوكل في طلبه فقال للرسول:"وما يصنع أمير المؤمنين بامرئ ليس بطائل، ذي شق مائل، ولعاب سائل، وفرج بائل وعقل حائل". وكان لمرضه أثر في إنتاجه، فهو يعتذر للقارئ في كتاب"الحيوان"إن صادف في كتابه حالات تمنع من بلوغ الإرادة فيه، لعلته الشديدة، وقلة الأعوان، وطول الكتاب، وكان موته بالبصرة سنة 255هـ، قيل إن مجلداته سقطت عليه وهو عليل فقتلته.
هذه لمحة عن حياة الجاحظ ذلك العبقري الموسوعي الذي نذر نفسه للعلم نحو قرن من الزمن، وجعل طموحه فيه، مع اعتداد بالذات وثقة بالموهبة تقربان شخصيته من شخصية المتنبي.
ثقافة الجاحظ:
امتلك الجاحظ ثقافته الموسوعية من المثابرة على حضور حلقات العلم في مجالس شيوخه في البصرة فكان منهم أبو عبيدة معمر بن المثنى، والأصمعي، وأبو زيد الأنصاري. وأخذ النحو عن الأخفش، وكلهم من أعلام الأدب واللغة، ودرس علم الكلام على"النظام"وهو أشهر متكلمي عصره، وكان النظام من زعماء المعتزلة، ويبدو لنا الجاحظ معجبًا بأساتذته، يتحدث عنهم، وينقد أحيانًا مناهجهم وعلومهم، سأل الأخفش يومًا: أنت أعلم الناس بالنحو، فَلِم لا تجعل كتبك مفهومة؟
أجاب الأخفش:"أنا رجل لم أضع كتبي لله، وليست هي من كتب الدين.. وإنما كانت غايتي المنالة" (4) . وهو يقول فيهم: