فهرس الكتاب
"طلبت الشعر عند الأصمعي فوجدته لا يحسن إلا غريبه، فرجعت إلى الأخفش فوجدته لا يتقن إلا إعرابه، فعطفت على أبي عبيدة فوجدته لا ينقل إلا ما اتصل بالأخبار، وتعلق بالأيام والأنساب. فلم أظفر بما أردت إلا عند أدباء الكتاب كالحسن بن وهب ومحمد بن عبد الملك الزيات".
وكان الجاحظ معجبًا بأبي اسحق بن سيار النظام حتى ليقول فيه:"الأوائل يقولون: في كل ألف سنة يخرج رجل لا نظير له، فإن كان ذلك صحيحًا فهو أبو اسحق النظام"وهو يصفه بالأمانة العلمية والصدق، ولأستاذه النظام آراء في الدين والفلسفة والعلم، وقد انفرد عن أصحابه المعتزلة بمسائل وتبعه جماعة عرفوا بالنظامية، منها استواء الطاعات واستواء أهلها في الثواب، واستواء المعاصي، واستواء أهلها في العقاب، وكان يرى أن الأطفال يدخلون الجنة، ويعترض على كثير من آراء المفسرين، وكان مطبوعًا على البحث في أصل كل شيء، ولعلّ الجاحظ قد تأثّر به من هذا الجانب الذي يحكم العقل في كل مسألة.
وغير هؤلاء الأساتذة خالط الجاحظ أدباء عصره كابن الزيات والفتح بن خاقان، وقرأ كثيرًا من الكتب في الطب وعلم الكلام فضلًا عن كتب الأدب واللغة والأخبار والنوادر والغرائب وكان بعضها مترجمًا ككتاب الفراسة لأقليمون، وطباع الألبان لماسرجويه، وكتب المنطق لأرسطو، وكتاب أقليدس، ونقل عن جالينوس وغيره، مما وفّر له ثقافة موسوعية شاملة، ولم تخل ثقافته من عناصر فارسية ويونانية وهندية، لكنه كان يرى"أن العرب أنطق ولغتها أوسع، وأن لفظها أدلّ، وأن تقسيم كلامها أكثر، والأمثال التي ضربت أسير، والبديهة مقصورة عليها، والارتجال والاقتضاب خاص فيها.".