فهرس الكتاب
إنه عصر الجاحظ، ذلك العصر الذي يصفه هو نفسه بأنه عصر العلم والثقافة والحرية الفكرية. يقول:"ينبغي أن يكون سبيلنا كسبيل من كان قبلنا فينا، على أنّا قد وجدنا من العبرة أكثر مما وجدوا، كما أن من بعدنا يجد من العبر أكبر مما وجدنا". ويضيف إلى قوله:"وقد أمكن القول، وصلح الدهر، وخوى نجم التقليد، وهبت ريح العلماء، وكسد العي والجهل، وقامت سوق البيان والعلم." (6) فعصره هو عصر الحرية الدينية التي سمح بها المأمون، فكان يجادل الناس في أمور الدين ويسمح لهم بالدفاع عن معتقداتهم، في حين كان رجال الفكر زمن المعتصم والمتوكل يتعرضون لتهمة الزندقة إذا بدر منهم ما يخالف الشرع أو العقيدة، وكان المأمون يكره الجدل الذي يقوم على الشتم والسباب والتسفيه لأنه يكشف عن عيّ بالمجادل ولؤم، وقد امتدت هذه الحرية إلى تناول مسائل خطيرة من الدين، والتفسير، حتى كان المجوس أنفسهم يعارضون علماء المسلمين دون حرج.
وكان الاعتزال الذي قام في عصر الجاحظ وليد حرية الفكر هذه، وأدت حرية الفكر إلى الاستفاضة في التطرف الديني والزندقة، حتى وصف الجاحظ الشعوبيين بتتبع المطاعن على الدين فقال:"يتبعون المتناقض من أحاديثنا، والضعيف من الإسناد من روايتنا، والمتشابه من آي كتابنا، ويسألون عنا عوامنا، ثم يخلون بضعفائنا، مع ما قد يعلمون من مسائل الملحدين والزنادقة الملاعين.".
وقد نال الجاحظ من هذه الحرية نصيبًا، فكان يعلق على آراء المفسرين بجرأة أو يبسط حجج الفئات المتطرفة، وكان معتزليًا في مذهبه، يحكّم العقل في مسائل الإيمان، وينتقد تفاسير بعض المفسرين مما يتعارض والعقل والمنطق، فليس من المستغرب أن يُتهم في دينه، وقد تكلم عن آراء الزنادقة في كتبه وبسط وجهة نظرهم بروح علمية.