فهرس الكتاب
وفي حديث"شفيق جبري"عن نزعة الجاحظ للتحقيق ينقل رأيًا للمستشرق (كارادي فو) في كتاب الحيوان، فقد ذهب ذلك المستشرق إلى أن كتابه الحيوان لا يقوم على بحث علمي، وإن كانت قراءته تمتع الإنسان، فيردّ جبري على هذا الرأي الذي يجرد كتب الجاحظ من قيمتها العلمية، مستندًا إلى الشروط التي اشترطها الغربيون أنفسهم في العالم، ومنهجه وطريقته، ويثبت أن الجاحظ جمع بين الملاحظة ودراسة الظواهر الحسية وبين التجربة، بل كان يرى عدم الركون إلى الحواس لأنها تخدع"فلا تذهب إلى ما تريك العين، واذهب إلى ما يريك العقل، وللأمور حكمان حكم ظاهر للحواس وحكم باطن للعقول" (7) فكان لا يقبل الحقيقة إلا إذا ثبتت بالأدلة وخرجت بالبرهان، وكان يميل إلى الشك وعدم التسليم شأن ديكارت ويقول:"اعرف مواضع الشك والحالات الموجبة لها لتعرف بها مواضع اليقين والحالات الموجبة له" (8) فمنهجه في البحث العلمي يُعدُّ الأساس الذي بنى عليه"باكون وديكارت"منهجهما في البحث، وكان يمزج علمه بروعة الفن، ويطري جفاف العلم بطرائف الأدب... وفي كتابه الحيوان أمثلة لا تُحصى من تحقيقاته العلمية وتجاربه الحياتية. فقد سبق الجاحظ علماء الغرب في الحديث عن أثر البيئة في الكائنات، بل سبقهم في الحديث عن تنازع البقاء ومبدأ الصراع من أجل الحياة الذي يدعيه الغربيون حين يعرضون سلاسل ذلك الصراع، ودوره في إقامة التوازن في الطبيعة. يقول: