فهرس الكتاب

الصفحة 13170 من 23694

"ومن العجيب في قسمة الأرزاق أن الذئب يصيد الثعلب ويأكله، ويريغ القنفذ الأفعى فيأكلها، وكذلك صنيعه في الحيات ما لم تعظم الحية، والحية تصيد العصفور فتأكله، والعصفور يصيد الجراد فيأكله، والجراد يلتمس فراخ الزنابير، وكل شيء يكون أفحوصة على المستوى، والزنبور يصيد النحلة فيأكلها، والنحلة تصيد الذبابة فتأكلها، والذبابة تصيد البعوضة فتأكلها." (9) ولئن كان الجاحظ لم يكتشف في علم الحيوان مكتشفات علمية فقد لخَّص معارف عصره وبحث ونقّب معتمدًا التجربة والعيان، من ذلك أنه كان يقطع طائفة من أعضاء الحيوان ويدرس أثرها في الحياة، ويراقب سلوكها ومن ذلك تجربته على الأفاعي، يقول:

"والأفاعي تكره ريح السذّاب والشيح، وتستريح إلى نبات الحرمل، وأما أنا فإني ألقيت على رأسها وأنفها من السذّاب ما غمرها فلم أرَ على ما قالوا دليلًا"ومن ذلك محاولته ذبح الحيوان ليفتش جوفه وقانصته، ودفنه الحيوان في بعض النبات ليعرف حركاته وقد لا يكتفي بالتجريب بل يثبت من تجارب غيره، وكان يستخدم مواد كيماوية ليعلم مدى تأثيرها في الحيوان كاستعمال الكبريت الأصفر والقطران، وقد يجمع بين حيوانين في قارورة ليعرف سلوكهما، وهذه الأساليب ترفعه إلى مصاف العلماء في عصرنا الذين لم يتجاوزوا كثيرًا في منهجهم العلمي الطرائق التي سلكها. أما السماع فكان يعتمده طريقًا للمعرفة، لكنه لم يكن يقرّه قبل التثبت منه بالتجريب، فينقل عن ابن الكلبي وأحمد بن المتن وسواهما. وقد يسمع الخبر فيثبته دون رأي فيه، أو يبدي رأيه فيه، إذا ارتاب فيه كقوله:

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت