فهرس الكتاب
"وسمعت حديثًا عن شيوخ ملاحي الموصل وأنا هائب له، ورأيت الحديث يدور بينهم، وزعموا أن الليث ربما جلّل قَلْس السفينة فيتشبث بها ليلًا...". وقد ينقل عن جماعة يثق بمعرفتهم كقوله: ودخلت أنا مرة وحمدان الصباح على عبيد الشوينزي فإذا عنده برنية زجاج فيها عشرون عقربًا وعشرون فأرًا فإذا هي تقتتل، فخيل إليَّ أن تلك الفئران قد اعتراها ورم من شدة وقع اللسع، ورأيت العقارب قد كلّت عنها وتركتها" (10) ."
وكان يستعين في تحقيقاته العلمية بالقياس والتعميم، وإن كانت معارفه العلمية مبعثرة لا تنتظمها قوانين عامة، لقلة فرص تجريب الظاهرة العلمية في أكثر من مكان ولأكثر من مرة، لكن أحكامه تدلّ على نفاذ عقله، واعتماده الشك قبل اليقين، وقد نبّه على كثير من الخرافات وغرائب الأخبار، ودعا إلى الحذر من الكذابين والمتزيدين كقوله:"والعوام تضرب المثل في الشدة والقوة بالكركدن وتزعم أنه ربما نطح الفيل فرفعه بقرنه الواحد الذي في وسط جبهته... وهذا القول بالخرافة أشبه" (11) فكان نقده يهدف إلى الوصول إلى الحقائق والحقيقة ضالة العالم. وقد يعمد إلى التثبت من الحقيقة بمراقبة سلوك الحيوان الذي يدرسه ويحاول تعليل هذا السلوك بقانون عام، كرأيه في أن الشاة تنقاد للسبع، والدجاجة ترمي بنفسها لابن آوى بدافع الجبن وقلة الحيلة، وكثيرًا ما يستعين بحواسه للتثبت في الحقائق فيشمّ أو يذوق أو يعاين أو يلمس، أو يتحقق صحة الواقعة بالتجريب على ذاته، وبلون من المغامرة.
عقيدة الجاحظ: