فهرس الكتاب
ثمة صلة واضحة بين عقيدة الجاحظ المعتزلية ونزعته العقلية، فالمعتزلة يحكمون العقل في الأمور الإيمانية وبخاصة في التفسير، ولذلك سمّاهم الفرنجة بالمفكرين الأحرار، فقد قالوا بقدم الله تعالى، وقالوا: إن الخالق قادر بذاته، وعالم بذاته، وصفاته تعالى ليست قائمة بذاتها، ونفوا رؤية الله بالأبصار، ونفوا التشبيه عنه من كل وجه، مكانًا وصورة وجسمًا وتحيزًا وانتقالًا، وتغيرًا وتأثرًا، واتفقوا أن العبد قادر خالق لأفعاله مستحق عليها الثواب والعقاب... وقد استهوى هذا المذهب الجاحظ لأنه مبني على العقل، وتعرّض بسببه للنقد والتجريح والطعن في دينه، فتعرّض له"البغدادي"في كتابه (الفَرْق بين الفِرق) فثلمه في دينه، مع أنه كان يربط على الدوام عظمة مخلوقات الله بعظمة الخالق في كل مناسبة ويسبّحه في عظيم صنعه كقوله عن أنثى الحمام وذكره:"فسبحان من عرفهما وألهمهما وهنأهما وجعلهما دلالة لمن استدل، ومخبرًا صادقًا لمن يستخبر، ذلكم الله رب العالمين" (12) . فلم يكن الجاحظ مجردًا من الشعور الديني، بل كان حريصًا على الدين، يجد أن كتاب الله تعالى أنفع وأشرف من كتب الأوائل. فلا سبيل إلى التشكيك بدينه، وكانت له آراء معتزلية حتى نسبت إليه فرقة باسمه عرفت بالجاحظية. ولعلّ أكثر ما عيب عليه نقده لآراء بعض المفسرين الذين خالفوا في تفسيرهم العقل وخرجوا عن حدود اللغة، وكشفوا عن جهلهم، كما عاب عليهم اكتفاءهم بالتفسير دون التعليل والبرهان، من ذلك ذهاب بعضهم إلى أن التين والزيتون في القرآن يقصد بهما دمشق وفلسطين، وتفسيرهم رؤوس الشياطين بأنها شجرة تخرج في أصل الجحيم، وزعمهم أن في النخل أنبياء لقوله تعالى: (وأوحى ربك إلى النحل أن اتخذي من الجبال بيوتًا(.
الضحك والتهكم عند الجاحظ: