فهرس الكتاب
يرى"شفيق جبري"أن الجاحظ من كبار الكتّاب الساخرين ويشبهه بفولتير، فهو مولع بالضحك والإضحاك، وهذا دليل على تفاؤله بالحياة، وإن كانت الآلام في آخر عمره قد أضعفت ذلك الجانب من طبعه، وهو يحمل قرّاءه على الضحك من وقار الفكر في كتبه بالفكاهة والسخرية، ويُعنى بتنويع مادة الكتاب والخروج من باب إلى باب دفعًا للسأم يقول في كتابه"البخلاء":"ولك في هذا الكتاب ثلاثة أشياء: تبين حجة طريفة، أو تعرّف حيلة لطيفة، أو استفادة نادرة عجيبة، وأنت في ضحك منه إذا شئت، وفي لهوة إذا مللت الجد." (13) . والجاحظ مطبوع على الهزل حتى ليهزل من نفسه، فهو يروي نادرة عن امرأة أرادت أن يرسم لها الصائغ صورة الشيطان، فقادت الجاحظ إلى الصائغ وقالت له: مثل هذا!! ويتحدث عما أصابه من ذبان البصرة، ويجمع نوادر المعلمين والبخلاء والحمقى، وتحضره النادرة في مواقف لا يتجرأ سواه على التندر بين يدي الأمراء وسراة القوم، وتهكمه لاذع يدسه دسًا دون أن يظهر على بيانه، وهو في كتابه (التربيع والتدوير) يخرج بالتهكم إلى آفاق فنية راقية، فيتلاعب بشخصية المهجو طولًا وعرضًا وتصغيرًا وكأنما يرسمه رسمًا كاريكاتوريًا يقول في مهجوه: وهل تقع الأبصار إلا عليك؟؟ وهل تصرف الإشارة إلا إليك؟؟ وأي أمرك ليس بغاية؟ وأي شيء منك ليس في النهاية؟ وهل فيك شيء يفوق شيئًا، أو يفوقه شيء؟" (14) ."
النقد عند الجاحظ:
كان الجاحظ يحكّم عقله في نقده، ولذلك شكك في كثير من مواطن التوليد والنحل في الأدب:"لقد ولّدوا على لسان خلف الأحمر والأصمعي أرجازًا كثيرة، فما ظنك بتوليدهم على ألسنة القدماء؟" (15) وكان شكّه منطلقًا للتشكيك بصحة الأدب الجاهلي في عصرنا، إلا أنه كانت تنقصه الوسائل للدلالة على نسبة بعض الشعر أو الخطب ونحلها، وإنما كان يعتمد على حدسه، دون أن يستدل على ذلك بدراسة الأساليب، وإن كان أحيانًا قد لجأ إلى هذا المنهج حين أنكر نسبه بيت"الأفوه الأودي"إليه: