فهرس الكتاب

الصفحة 13181 من 23694

إن تحديد الجمال وتأطيره على نحو دقيق أو شبه دقيق، أمر ما زلنا نقف عاجزين أمامه حتى أيامنا هذه، وليس في ذلك عيب أبدًا لأن طبيعة الجمال غير منفصلة عن الذات المتلقية، هذه الذات التي تتباين أحوالها وتتخالف وتتضارب أهواؤها... وقد وقف أبو عثمان على هذه الحقيقة وعبّر عنها بقوله:"إن الحسن (الجمال) أدق وأرق من أن يدركه كل من أبصره" (7) ذلك أنه ليس في مكنة كل الناس أن يقفوا على حقيقة الجمال والقبح، فإن"معرفة وجوه الجمال والقبح لا تتأتى إلا للثاقب النظر، الماهر البصر، الطب في الصناعة" (8) وكاد الجاحظ أن يقود هذا المفهوم (الجمال) "نحو اكتساب مدلولاته التجريدية التي أضفاها عليه الاستعمال فيما بعد، لا سيما في عصرنا، بالإضافة إلى مدلولاته الحسية في الأصل" (9) وذلك فيما أراده من جواب الرسول الكريم عن سؤال ابن العباس بن عبد المطلب:"فيم الجمال؟ قال: في اللسان" (10) ولكنه لم يستطع ذلك تمامًا، ليظل في الإطار الوصفي والحسي لمفهوم الجمال.

إلا أن الجاحظ يقودنا أيضًا إلى مسألة مهمة في تحديد طبيعة الجمال ومقوماته عندما ربطه بالعرف والعادة. عادًّا الجمال ما اعتادت الناس تقبّله واستحسانه، وتعارفت عليه جميلًا. وفي مثل ذلك يقول:"كانوا يمدحون الجهير الصوت، ويذمون الضئيل الصوت، ولذلك تشادقوا في الكلام، ومدحوا سعة الفم، وذمّوا صغر الفم" (11) . ويستشهد لتأكيد ذلك بتعريف الجمال الذي فاه به أعرابي فقال:"قيل لأعرابي: ما الجمال؟ قال: طول القامة، وضخم الهامة، ورحب الشدق، وبُعد الصوت" (12) ومعروف ما كان لطول القامة وضخم الهامة من أهمية وتحبيذ واستحسان، لما ينتظر من هاتين السمتين من شجاعة وقوة وقدرة.

عمود الجمال (13) :

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت