فهرس الكتاب
يبدو من خلال ذلك أن الجاحظ قد فسح مجالًا واسعًا لدور الذات في تحديد مقومات الجمال، ولذلك فإن التباين في وصف الجمال أو الاختلاف في تحديد مقوماته أمر جدُّ وارد، ويورد صاحب المحاسن نماذج شتى لهذا التباين، وإن كان البون غير شاسع، بل إنه يؤكد في المحصلة ما سلف نعته، فإن كان الأعرابي السابق قد حدد الجمال بطول القامة وضخم الهامة، ورحب الشدق وبعد الصوت، فإن أعرابيًا آخر جعله في"غؤور العينين وإشراق الحاجبين ورحب الشدقين" (14) . بينما ذهب خالد بن صفوان إلى حصره في طول القامة وبياض البشرة واسوداد الشعر، وذلك عندما سئل عن عمود الجمال فقال:"الطول ولست بطويل، ورداؤه البياض ولست بأبيض، وبرنسه سواد الشعر وأنا أشمط" (15) .
وكما اختلفوا في عمود حسن الرجل أو جماله، كذلك اختلفوا في عمود حسن المرأة، فقد"قيل: أحسن النساء الرقيقة البشرة، النقية اللون، يضرب لونها بالغداة إلى الحمرة وبالعشي إلى الصفرة... وقيل لأعرابي: أتحسن وصف النساء؟ قال: نعم، إذا عذب ثناياها، وسهل خداها، ونهد ثدياها، وفعم ساعداها، والتف فخذاها، وعرض وركاها، وجدل ساقاها، فتلكم همُّ النفس ومناها" (16) .