فهرس الكتاب
ولعل مرد ذلك إلى أن العرب كانت تستخدم هاتين المفردتين على هذا النحو من التداخل، بل التساوي في الدلالة المفهومية، فالحسن كما يقول ابن منظور ضد القبح ونقيضه وهو نعت لما حَسُن (23) أما الجمال فهو مصدر الجميل، أي البهاء والحسن (24) وكأنه- ابن منظور- يرى أنَّ أصل هذه القيمة الجمالية هو الحسن، والجمال فرع لاحق، فقد عرَّف الحسن بذاته وعرَّف الجمال بالحسن، والنحو ذاته نحاه ابن فارس فقد عدَّ الحسن ضد القبح ولم يزد (25) ورأى أن الجيم والميم واللام أصلان أحدهما تجمع وعِظَمُ الخلق، والآخر الحسن (26) ولكنه خالفه بأن ذهب إلى أن الجمال كمصدر هو أصل دلالات مشتقاته اللغوية كلها، وهذا واضح في أصلي معنى الجذر.
إلا أنهما لم يحددا لهذا المفهوم أو المصطلح الجمالي- بلفظيه: الحسن والجمال- دلالة واضحة، ولعل أكثر من أفاض الحديث عن هذا المفهوم وأبعاده- من مفكرينا- هو أبو البقاء الكفوي في معجمه الاصطلاحي"الكليات"ومما يقول فيه:"الحسن عبارة عن تناسب الأعضاء، وأكثر ما يقال في تعارف العامة في المستحسن بالبصر؛ وأكثر ما جاء في القرآن من الحسن فهو للمستحسن من جهة البصيرة" (27) .
الجمال في الاعتدال:
ولكن، لا بد أن نتساءل هنا: ما علَّة اعتبار الشيء جميلًا، أو لنقل: ما الذي يجعل صفة أو نعتًا أو حالًا يُتلقى على أنه جميل؟ أهو الشيء في طبيعته، أم الأمر في الذات المتلقية؟