فهرس الكتاب
هنا ينعطف الجاحظ انعطافة نوعية في تحديد طبيعة الجمال بجعله العلة في الموضوع لا في الذات كما بدا منذ قليل. منطلقًا من الحديث النبوي الشريف"خير الأمور أوسطها"أساسًا في تبيان العلة التي نعد الجميل بها جميلًا، فيرى أن الجمال إنما ينبثق من الاعتدال أو التوسط بين طرفي متراجحة الزيادة والنقصان، أو الإفراط والتفريط، فالزيادة تورث عيبًا، والنقصان يُخلِّفُ شيئًا، وفي ذلك يقول:"أما تجاوز المقدار كالزيادة في طول القامة، أو كدقة الجسم، أو عظم الجارحة، أو سعة العين أو الفم مما يتجاوز مثله من الناس المعتدلين في الخَلق، فإن هذه الزيادة متى كانت فهي نقصان في الحسن وإن عدَّت زيادة في الجسم" (28) .
ولكن أبا عثمان لا يوقف نظريته هذه على الجسم البشري فهو يرى أن الاعتدال مطلب لازب في كل أمور الحياة وصور الطبيعة كيما توصف بالجمال، معممًا بذلك حكمه على الأخلاق أيضًا، فالخلق المحمود فيما يرى، هو ما كان معتدلًا ومتوسطًا بين تطرفين"فالحدود حاصرة لأمور العالم ومحيطة بمقاديرها الموقفة لها، فكل شيء خرج عن الحد في خَلق أو خُلق حتى في الدين والحكمة اللذين هما أفضل الأمور، فهو قبيح ومذموم" (29) .
ثم يتابع صاحب التربيع والتدوير شارحًا ما يريده من الاعتدال أو التوسط، ولا سيما أنَّ نظرية الاعتدال في الجمال قد لا تكون مقنعة كما هي في نظرية أرسطو الأخلاقية. إن الجمال هنا يشبه العدل كقيمة أخلاقية لا تتوسط نقيضين، وإنما هي طرف يقابله نقيض هو الجور، فليست زيادة العدل مذمة. فهل نستطيع القول إن زيادة الجمال تدعو إلى ذمه؟! أو كما يقول الجاحظ:"فمن كان عيب حسنه الإفراط، والطعن عليه من جهة الزيادة كيف يرومه عاقل، أو ينقصه عالم؟" (30) .