فهرس الكتاب
وحتى لا نظن أن نظريته هذه في الاعتدال والتوسط مقصورة على الجسم الإنساني كما يدل على ذلك أغلب قوله وجل شواهده فقد قام بتطبيق معياره هذا على كثير من الأجسام والأشياء الطبيعية كالبنفسج والزرع، وعلى الأشياء الصنعية كالأبنية والفرش وقنوات جر المياه (35) .
ولعل الجاحظ لم يركن إلى البت في أن الجمال محصور في التوازن والتناسب بين العناصر والأجزاء، أو كما نقول في اللغة الاصطلاحية: لم يطمئن إلى أن الموضوع وحده هو مصدر الجمال، فقد يفتقر الموضوع إلى التوازن والتناسق ولكننا مع ذلك نراه جميلًا. فيقول:"ولربما رأيت الرجل حسنًا جميلًا، وحلوًا مليحًا، وعتيقًا رشيقًا، وفخمًا نبيلًا، ثم لا يكون موزون الأعضاء، ولا معدل الأجزاء، وقد تكون أيضًا الأقدار متساوية، غير متقاربة ولا متفاوتة. ويكون قصدًا ومقدارًا عدلًا، وإن كانت دقائق خفية لا يراها إلا الألمعي، ولطائف غامضة لا يعرفها إلا الذكي" (36) .
ثم لا يلبث أن يعول على الذات في إضفاء القيمة الجمالية على الموضوع، لتبدو الذات وكأنها هي مصدر القيمة الجمالية من حيث انقيادها لميل أو هوى ترى به المثل الجمالية متجسدة فيمن تحب أو تهوى، ويورد لنا شواهد كثيرة من هذا النوع، فيعقب على قوله السابق:"فأما الوزن المحقق، والتعديل المصحح، والتركيب الذي لا يفضحه التفرس، ولا يحصره التعنت، ولا يتعلل جاذبه، ولا يطمع في التمويه ناعته، فهو الذي خصصت به دون الأنام، ودام لك على الأيام" (37) .
ويقول أيضًا:"وأين الحسن الخالص، والجمال الفائق، والملح المحض، والحلاوة التي لا تستحيل، والتمام الذي لا يحيل، إلا فيك أو عندك أو لك أو معك؟ لا بل أين الحسن المصمت، والجمال المفرد، والقد العجيب، والكمال الغريب، والملح المنثور والفضل المشهور إلا لك وفيك" (38) .