فهرس الكتاب

الصفحة 13188 من 23694

إن ترجُّح الجاحظ بين الاتجاهين؛ الذاتي والموضوعي، في تحديد طبيعة الجمال، غير جانحٍ إلى أحدهما دون الآخر، ولا باتّ في أرجحية أي منهما، آخذًا بعين الاعتبار اختلاف أذواق الناس، لأسباب شتى، ودور ذلك في الأحكام الجمالية وتباينها، حتى على الأثر الجمالي الواحد، وكذلك الشروط الموضوعية الواجب توافرها في الموضوع كيما يكون جميلًا، يجعله رائدًا أوّلَ للنظرية الجدلية في تحديد طبيعة الجمالي سابقًا بذلك تلميذه الفذ أبا حيان التوحيدي (39) ورائد الدراسات الاجتماعية ابن خلدون (40) هذه النظرية التي يدعي جلّ المفكرين- إن لم يكونوا كلهم- أنها لم تنشأ إلا مع مطالع القرن التاسع عشر على يدي المفكر الروسي تشرنشفسكي، أو ربما في أواخر القرن الثامن عشر كإرهاصات أولية على أيدي ديدرو وهردر وشلر (41) .

الشكل حامل القيمة الجمالية:

ثمة شبه إجماع بين الفلاسفة والباحثين على أن الشكل هو حامل القيمة الجمالية، بمعنى أن خصائص الجمال ومقوماته تتموضع على صورية الموضوع، وإن كان بعضهم يضيف المحتوى عنصرًا ثانيًا إلى هذا الحامل فإننا لا نميل إلى اعتبار ذلك ثنائية متفاصلة ولا متلازمة، لأن الفصل بين الشكل والمضمون، من الناحية الجمالية على الأقل، أمر غير مقبول، بل يحق لنا القول إنه غير ممكن، فالفرق واضح وكبير بين الوردة الحقيقية والبلاستيكية والمرسومة (42) ولذلك فإن"القوس المنحني قد يكون جميلًا بوصفه علاقة هندسية معمارية، ولكنه قبيح إذا كان شكلًا لظهر محدب، وإذا كانت الأرزة جميلة بتناظرها فالمرعى يستمد جماله من عدم تناظره. ونسب الجسد الإنساني الجميل تتغير بتغير المحتوى اليبولوجي: رجل، امرأة، صبي، شاب، الخ... والحمرة جميلة على خدِّ صبية، ولكنها ليست كذلك على أنفها، وهذا كله يدل على أن الصفة الجمالية، وهي صفة للشكل لا يمكن أن تنفصل عن المحتوى الذي تعبر عنه" (43) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت