فهرس الكتاب

الصفحة 13189 من 23694

وقد كان الجاحظ سبَّاقًا في الوقوف على هذه المسألة وحقيقة أبعادها وقوف اللوذعي الألمعي، فبيَّن أن الصفة أو الشيء إنما يستمد جماليته من مكان تموضعه، وكذلك القيمة الجمالية للصفة قابلة للتغير والتفاوت تبعًا للشكل أو الموضوع الذي يحملها، ولذلك فإن تقويمنا لجمالية اللون الأزرق مثلًا تتباين بتباين حامل هذا اللون الذي قد يكون للعين أو للسماء أو للثوب أو للماء... وكذلك شأن غيره من العناصر أو الصفات أو الأحوال... وعلى هذا الأساس يقول أبو عثمان:"والتاج بهي، وهو على رأس الملك أبهى، والياقوت كريم، وهو على جيد المرأة الحسناء أحسن، والشِّعر الفاخر حسن، وهو في فم الأعرابي أحسن. وإن كان من قول المنشد وقريضه، ومن نحته وتحبيره، فقد بلغ الغاية وقام على النهاية" (44) .

ثم يقدم نموذجًا تطبيقيًا يجلو لنا من خلاله حقيقة ما ذهب إليه على نحو بارع رائع، وإن كان المراد في الأصل تهكمًا فإن مقتضى السياق الدلالي لا يفترق في النتيجة عما عليه مدار حديثنا، فيقول:"وما ندري في أي الحالين أنت أجمل، وفي أي المنزلتين أنت أكمل، إذا فرقناك أم إذا تأملنا بعضك: أما كفك فهي التي لم تخلق إلا للتقبيل والتوقيع، وهي التي يحسن بحسنها كل ما اتصل بها، ويختال بها كل ما صار فيها، كما أصبحنا، وما ندري الكأس في يدك أحسن، أم القلم، أم السوط الذي تعلقه، وكما أصبحنا وما ندري أي الأمور المتصلة برأسك أحسن، وأيها أجمل وأشكل: اللمة، أم خطُّ اللحية، أم الإكليل، أم العصابة، أم التاج، أم العمامة، أم القناع، أم القلنسوة."

وأما فوك فهو الذي لا ندري أي الذي تتفوه به أحسن، وأي الذي يبدو منه أجمل؛ الحديث أم الشعر، أم الاحتجاج أم الأمر والنهي، أم التعليم أو الوصف؛ وعلى أننا ما ندري أي ألسنتك أبلغ؟ وأي بيانك أشفى؛ أقلمك، أم خطك، أم لفظك، أم إشارتك، أم عقدك؟ وهل البيان إلا لفظ أو خط أو إشارة أو عقد، وأنت في ذلك فوقهم؟.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت